المحرر موضوع: الحضاره الآشوريه فى وادي الرافدين فريدة التاريخ  (زيارة 546 مرات)

غير متصل Enanna

  • Global Moderator
  • ANA ASHUR Users
  • ******
  • مشاركة: 90
الحضاره الآشوريه فى وادي الرافدين فريدة التاريخ

توما شماني
07-11-2009

معالم الحضاره الآشوريه بقيت طي النسيان التاريخي وكانت خارج تفكير العصر المعثمن الذي مرّ به العراق لأربعة قرون يابسة سوداء حالكة السواد، لم يفتحوا مدرسة ولا مستشفي ولا مكتبة، في تلك الفترة السوداء اكتشف القنصل البريطاني في الموصل (ديج) مدينة (نينوي) اذ كان يخرج للصيد أيام الأحد خارج الموصل وفي جولاته رأى نساءاً يخبزن الخبز بتنانير محلاة بقطع من القاشان.

عرف (ديج)  بحسه ان هذا القاشان غير اعتيادي  فسأل القنصل النسوة من أين أتيتن بهذا القاشان فأشرن بأيديهن هناك، كان المكان مجهولاً  فلما وصل الى المكان اكتشف (مدينة آشور)  وعثر على بعض الرقم الطينية المفخورة، كان ذاك الحدث العظيم في عام 1808 ثم جاءت بعثات تنقيبية أهمها بعثة الآثاري المعروف (هنري لايارد) يرافقه (هرمز رسام) فعثرا على  (71) غرفة وقاعة وممراًً في تل كويسنجق كماعثرا ايضاًً على (مكتبة آشور بانيبال) التي احتوت ما يقارب من 25,000 رقيم طيني وضعت على جوانبها الثيران المجنحة.

هذه شكلت أغنى آثار العالم، ومن هذه الرقم الطينية عثرا على قصة نوح  (قصة الطوفان) و (ملحمة كلكامش) وعندما غادر (هنري لايارد) العراق نهائياً عام 1851 أوكل مهمة التنقيب الى صديقه (هرمز رسام) الذي كلّف بالمهمة ذاتها بإسناد من المتحف البريطاني فأبدع في مهمته وعثر على العديد من الكتابات بالرقم الطينية القديمة التي سجلت ثقافة وعلوم وعقائد الشعوب القديمة في (بيث نهرين).

يتحدث الآثاري المشهور (أندريه بارو) عن طريقة (هرمز رسام) في التنقيب في كتابه (آثار بلاد الرافدين) قائلاً (تولى هرمز رسام بعد مغادرة لايارد بالكشف والتنقيب وحده في عدة مناطق وعثر على عدة آثار ثمينة يذكر منها تمثال عشتار الإمرأة العارية) على مقربة من معبدها في نينوى و (المسلة البيضاء) في تل كويسنجق  فتعرف على إسم (آشور ناصربال) في هذه المسلة بين عامي 1852 ــ 1853 ثم عثر (هرمز رسام) عام 1879 في (تلا بلادات) شمال شرق مدينة كالح (نمرود) على بوابتين برونزيتين نقشت عليها تصاوير (الملك شلمناصر) يستلم الجزية من (ملك قرقميش) وعثرت  بعثات تنقيبية أوروبية على كنوز مهمة من آثار الحضارة الآشورية فعثروا في قرية حسونة على معابد وكنوز النمرود، كما اكتشفوا حدود مملكة آشور، واكتشفوا موقع المكتبة الآشورية الواقعة ضمن حدود قصر ملوك آشور الذي يعد حدثاً تاريخياً يبقى أثره الى الأبدً.

يعود للآشوريين الفضل الكبير على التاريخ اذ في مكتبة آشور بانيبال تم حفظ منجزات حضارات وادي الرافدين السابقة فحفظتها من البعثرة ووضعتها في مكان واحد فحفظت الكثير من الآثار الفكرية أهمها (قانون حمورابي) الذي جمع 282 مادة تشريعية كما حفظت الأساطير والملاحم والأعمال الأدبية التي تناولت الرثاء بشكل أناشيد، واعتبر المؤرخون (مكتبة آشور بانيبال) أقدم مخازن الرقم الطينية في وادي الرافدين، وأقدم مكتبة أكتشفت حتى الآن وتفيد المعلومات المتوفرة أن (الملك سرجون الثاني) هو من سعى الى جمع الرقم الطينية  721- 705 ق.م.، ووجدت ألواح كانت كتبت في عهده عليها ختم خزائنه ولكن المكتبة لم توسع وتأخذ شكلها حتى عهد (آشور بانيبال) الذي خلفه في الحكم حيث عمل على رفدها بالمزيد من الرقم الطينية وتولى توسيعها.

ومن المعروف أيضاً أن الكنوز الحضارية التي شاعت شهرتها في بلاد النهرين لحق بها الإهمال والسطو ولم تنجو الا حين انتقلت آلاف القطع الى متاحف باريس ولندن،
والملك (آشور بانيبال) هو أشهر ملوك حضارة وادي الرافدين فقد اهتم بفنون الكتابة وناصر الكتبة، إذ افتخر بمعرفته فنون الكتابة قائلاًً في أحد النصوص (إستقيت المعارف الخاصة بالكتبة وحذقت آيات السماء والأرض ودرست ظواهر السماء وتمكنت من حل قضايا صعبة في القسمة والضرب وأتقنت فن الكتابة السومرية والأكدية الصعبة جداً وكنت أحب أن أقرأ الأحجار والأنصاب المكتوبة من أزمان ما قبل الطوفان)‏ وفي نص آخر ما يلي: (كتبتُ هذا الرقيم في مجلس المتخصصين استناداًً الى كلمات الرُقُم وألواح الكتابة التي ترقى أصولها الى بلاد آشور وسومر وأكد، فدققتها وقابلتها ووضعتها داخل قصري لمطالعاتي الملكية وكل من يمحو إسمي ويكتب اسمه عسى "نابو كاتب الكون" يمحو إسمه).

ومن الجدير بالذكر أن الملك (آشور بانيبال) تعلم الكتابة منذ الصغر، وأن والده الملك (أسرخدون) اهتم برعايته والإشراف عليه بنفسه، حيث بدأ بتخصيص معلم يشرف على تربيته وتهذيبه وكان إسم معلمه (نابو ـ اخِ ـ اريبَ nabu-ahhi-ereba ) الذي أشرف بشكل مباشر على تهيئته وتطوير معارفه،‏ وكان آشور بانيبال ملكاًً حكيماًً ومحارباًً محنكاًً وعالماًً مولعاًً بالآداب، وقد قال: (لقد تعلمت الحكمة عن الحكيم "آدابا"، واقتبست أسرارها وأسرار فن الكتابة على الرقم، وخصتني السماء بالحكمة، فناقشت في مجالس العلماء، وشاركت في معرفة الفأل من الكبد، أستطيع تفسير جميع الألغاز  وقد قرأت أصعب الرقم السومرية والأكدية، وتمعنت في النقوش الحجرية قبل الطوفان).

والدليل الأكثر أهمية بهذا الخصوص هو اهتمام آشور بانيبال بالنشاطات العلمية والكتابية ومكتبته الشهيرة التي اكتشفت في نينوى  وقد ورد في رسالة كان قد أرسلها أحد الكتبة إلى الملك (آشور بانيبال) أن (الملك كان يشترك شخصياًً في تحديد ووضع الألواح والرقم الطينية في مجموعته الخاصة لمطالعتها في المكتبة) وورد على لسان الكاتب (أن جميع النصوص التي اقترح الملك وضعها في جناحه تستحق الحفظ الأبدي) كما ورد في رسالة أخرى عن تكليف كاتب الملك (آشور بانيبال) البحث عن الرقم من مختلف الأماكن، في البيوت وفي معبد نابو في بورسبا فجلبهاالى مكتبته وأمر الملك مراقب المعبد وكهنته أن يضعوا تحت تصرف هذا الكاتب أي لوح يراه مناسباًً لأخذه إلى مكتبة القصر في نينوى.‏

نينوى عاصمة الأمبراطورية الآشورية التي شعّ بريقها في التاريخ كانت تقع على ربوة عالية قبل ستة آلاف سنة ونيف  لتنهض شامخة على الضفة الغربية من نهر دجلة فامتلكت الحضارة ضمت أول اعظم مكتبة في التاريخ، وأول مكتبة احتوت على كنوز المعرفة التي أسسها الملك المثقف (آشور بانيبال) فاحتلت المكانة المرموقة، وكانت أول وأشهر وأغنى مكتبة في التاريخ القديم، سبقت مكتبة الإسكندرية بأكثر من ثلاثة قرون، وحوت من النصوص ما لم يأتنا من أية مكتبة قديمة غيرها فضمت في أجنحتها أروع وأثمن ما تم الكشف عنه من الكنوز الآشورية خلال القرنين الماضي والحالي، واحتلت الصدارة في العديد من البحوث والدراسات لما تحتويه من رقم طينية تعد في الزمن الراهن من أهم ما يمتلكه المتحف البريطاني من آثار المعرفة التي تقدر بأكثر من 25 ألف رقيم، هذه المكتبة أوقفت العالم أمام عظمة تأريخها وأغنت أشهر المتاحف بروائع آثارها وكنوزه، وعكست منجز الإبداع لواحدة من أكثر الحضارات البشرية المعروفة عراقة وأصالة.

الثور المجنـّح:  يمثل ذروة النحت العالي الأداء في النحت الآشوري، ويقول أستاذ علم الآثار الآشورية (جون راسل) ورَد ذكر هذا الجنـّي في كتابات الملك الآشوري سنحاريب (جلبت رجالاً أسرى من المدن التي غزوتها وبنوا لي قصراً يقف على بوابته إثنان من الآلادلامـّو، إن تهمة "عبادة الثور المجنح" باطلة لأنه ليس من الممكن أن يكون الإله حارساً على بوابة قصره)، (اللاماسو)  قوة تجمع أربعة عناصر تكوّن الكمال (الأسد للشجاعة والثور للقوة والنسر للمجد والإنسان للحكمة).

جسد الآشوريون في نماذجهم كل ما يمثل القوة، كالأسود والثيران المجنحة، واللبوة الجريحة، ومثلوا الملك دائماً خلال الحرب او الصيد وأبرز  فنانوهم تفاصيل الوجه والعضلات المفتولة للدلالة على القوة، بينما ستروا بقية الجسم برداء فضفاض، ومن هذه الفنون الآشورية اقتبس الفرس فيما بعد أشكال  تماثيلهم في فن العمارة، واعتمد البناؤون الآشوريون على الطين المجفف او اللبن، وكلاهما اصل صناعة الآجر وحرقوا الحجارة في الأفران حتى غدت قاسية، ومن أهم أشكال العمارة وأشهرها قصر (خورساباد) في نينوى عاصمة الآشوريين، وقصر بابل، وقصر نبوخذنصر، وبرج بابل بجنائنه المعلقة، ومن الأبنية الدينية عرفت بالمعابد بـ (الزقورة).

قدّس شعب ما بين النهرين مظاهر الطبيعة، وعبدوا القوى الكامنة كحرارة الشمس او قوة المياه او طوفانات دجلة والفرات العريقين أحياناً وفيضانات الأهوار  كما في (ملحمة كلكامش) ومنها جاءت (قصة الطوفان) و (سفينة نوح) وكان وادي الرافدين في أشد الخصوبة يؤله الخصب في الدرجة الأولى، جعل الآشوريون (آشور) في المقدمة وكانت الآلهة (عشتار) ملازمة له،  فتعددت الآلهة بتعدد المدن ومنهم (آنو) إله السماء، (إنليل ) إله الأرض و (إيا) إله المياه الجوفية و (شمش ) إله الشمس و (سين) إله القمر و (أدد) إله الطبيعة، إضافة الى ان كل دولة كان لها إله خاص بها كـ (مردوخ) و(آشور) و(عشتار) و(نبو).

في المرتبة الثانية كرّم سكان ما بين النهرين أنصاف الآلهة كـ ( كلكامش) وكانت المكتبة الملكية محفوظة بتنظيم بالغ الدقة ( لمدة 2400 ) عام كما نقل آشور بانيبال الكثير من هذه الألواح الى نينوى من قصر أبيه أسرخدون ومن سائر البلاد المعروفة حتى غصت قاعات المكتبة بالألواح، وقد وجد منها أكثر من 25000 لوح مع عدد يسير من أوراق البردي، وحفظ أغلبها في المتحف البريطاني ومتحف اللوفر بباريس.

وكان آشور بانيبال يأمر نسّاخه بالبحث في جميع أنحاء العالم المعروف آنذاك عن الألواح ونسخ ما يعثرون عليه من كتابات وأعمال تمثل التراث السومري والثقافة البابلية التي سبقته، وأمرهم ان يحفروا بحثاً عن الألواح المدفونة وبذلك تمثل مجموعة آشور بانيبال  تقليداًً مكتبياًً متكاملاً من الأعمال المختلفة خاصة الموضوعات التي أولع بها آشور بانيبال نفسه كالسحر والطقوس الدينية والفأل والتكهن بالغيب، وقد  وجد في مكتبة نينوى نوع من التصنيف العام يدعى بالتصنيف الملكي وخصصت أركانً معينة لبعض الموضوعات الهامة وفوق أبواب المداخل نقشت قائمة بالمحتويات حسب ترتيبها على الرفوف او في أوعية فخارية او مزهريات   وكانت طريقة الإعارة التي اعتمدت على التنسيق الحسابي أعظم ما قدمته بشأن التنظيم المكتبي.

إشتملت المكتبة على قاعتين او حجرتين ضخمتين من القصر وممر طويل ربما كان ركن الإعارة وفي الغالب ان مجمل تاريخ وادي الرافدين قد كشف عنه من خلال تفسير الكتابات السومرية – الأكدية التي احتوتها مجموعة المكتبة الملكية في نينوى، وأساليب الختم والفهرسة التي استعملت في هذه المكتبة كانت متقدمة جداً بالنسبة الى الأساليب المماثلة التي استعملت في المكتبات المصرية والعبرية والحثية اذ ان الرقم الطينية رتبت حسب موضوعاتها التي تكتب عادة إما في الزاوية العليا من اللوح او على رقع منفصلة توضع على الرفوف.

(سميراميس - شميرام) الآشورية التي امتد عطرها حتى العصر الحديث بدأت حكمها ببناء ضريح فخم في نينوى تمجيداً لزوجها الملك نينوس  تنسب إليها أسطورة شعبية أنها بنت مدينة (بابل)، وشنت (سميراميس) حملات عسكرية واسعة بعيداً في آسيا حتى قيل أنها فاقت في أمور القتال العديد من النساء المقاتلات في تلك العصور، وقيل عنها أنها انشأت العديد من مدن العالم القديم التي أقيمت على نهري دجلة والفرات، وأقامت العديد من أجمل وأروع الأضرحة الفريدة والمواقع النادرة الأخرى في كل آسيا.

شنت (سميراميس) حملات عسكرية واسعة بعيدا في اسيا واستولت في جولاتهاالعسكرية على ميديا وبلاد الفراعنة والجزء الأكبر من الحبشة، وحكاية (سميراميس) الأسطورية مستلة من (الملكة سمورامات)  وبعد قرون طويلة حرّف الإغريق الإسم الى (سميراميس) وتزوجت (الملكة سمورامات)   ملك نينوى (شمشي أدد الخامس) 823-811 ق.م. وشخصيتها القوية وذكائها الحاد وجمالها الأخاذ جعلها تفرض سطوتها طيلة حياتها وتمسك بتلابيب دولة بلاد النهرين لعشرات السنين، ولم تكتف هذه المرأة العظيمة بالسلطة السياسية وإدارة شؤون البلاد بل تعدتها الى التأثير في الحياة الدينية والفكرية والإجتماعية، ومهما يكن الأمر فإن (سميراميس) هي (سمورامات) ثم انقلب إسمها عبر الأزمنة والعصور والدهورالى إسم يملك عطراً أسطورياً وعبيراًحمل لنا التاريخ أسطورة كونها (الإمرأة الإمرأة) بالمعنى العالي اذ كانت رائعة الجمال باعلى أشكاله بالإضافة الى كونها كانت فائقة في قوتها وحكمتها، إنها (سميراميس) الأسطورة التاريخية.

نجد في إسم (سميراميس) العطر الأنثوي وقوتها الخارقة كبطلة أنثى تجعلها إمرآة تنافس البطل (كلكامش) الذكر بل ربما تفوقه سحراً، وقد أطلق إسم (سميراميس) بجمالها الخلاب على بعض ملكات العصور التالية ومنها ماركريت ملكة الدانمارك والسويد والنرويج 1353-1412 التي أطلقوا عليها (سميراميس) وكذلك (كاترين الثانية) قيصرة روسيا 1729-1796 واعتبروهما (سميراميس) أوروبا.

في العصور الحديثة طغت شخصيتها على عقول وأفئدة العالم بشكل لم يسبق له مثيل، حيث كتبوا ونشروا في العالم  العديد من الكتب والروايات والأوبرات العالمية والمسرحيات، حنى هوليوود كرمتها بأكبر أفلامها، واسمها يطغي في جميع انحاء العالم وفي جميع اللغات على عددلا يحصى من المراكز السياحية والفنادق ودور التجميل والأنوثة والمتعة، وقد وصفها الكاتب (ويفي ميليفل) في ثنايا روايته (ساركادون ... أسطورة الملكة العظيمة) فيقول ( كانت فائقة الجمال، لا شك في  الأمر، ذلك الجمال الذي تعجز الكلمات عن وصفه، إنه الجمال المنتصر، ليس بأقل من الجمال الذي  يذعن له الآخرون مرغمين).  

الآشوريون هم أول من ابتدع الألوان، وعرفوا صبغات مستخلصة من أصول نباتية ومعدنية منها ألوان البرتقالي والأصفر والأسود والأخضر، وتولوا تثبيتها بمواد كيمياوية ومركبات خاصة استخدمها الفنان الآشوري قبل خمسة آلاف عام لتكون أساساًً لتنفيذ الألوان وخلطها ومزجها حتى الزمن الراهن، ومنحوتات الفنان الكبير والنحات الإنكليزي الذائع الصيت (هنري مور) بتجريدياته المنحوته وعبقريته الفنية الفذة، ان هي الا تلك الملامح الآشورية التي خرجت من الفنان الآشوري وإزميله، وهذه أولى مقومات التأثير المباشر للحضارات القديمة في مسارات الفنون المعاصرة، وذلك ينبعث في حاضرنا من خلال اتصال روحي بين فنان الحداثة في عصر الألفية الثالثة وفنان الكلاسيك الذي عاش وانتج وأبدع في عصور ما قبل التاريخ.