المحرر موضوع: محنة الكيانات القومية والدينية الصغيرة بين مآذن سويسرا ومأذنة البرلمان العراقي  (زيارة 306 مرات)

غير متصل Assyria

  • Administrator
  • ANA ASHUR Users
  • *******
  • مشاركة: 13169
محنة الكيانات القومية والدينية الصغيرة بين مآذن سويسرا ومأذنة البرلمان العراقي

ياقو بلو
12-12-2009

طغى خبر تصويت أغلبية الشعب السويسري على رفض بناء المآذن في المساجد التي ستشيد في الدولة السويسرية مستقبلاً، على كل نبأ آخر وخاصة في الإعلام الإسلامي المشحون بالكره كما عرفناه من أمد طويل جداً، ولو أسقطنا ما حصل في سويسرا  بالأمس القريب على واقع جل المجتمعات الإسلامية وخاصة العربية، ومع التزامنا بالقليل جداً من جانب شبه الحق وليس الحق كله، سنجد ان الإعتراض على التجربة السويسرية، يصلح ان يكون علامة إدانة صارخة للكثير من المآثر الإسلامية التي ما انفك يتغنى بها دعاة الإسلام منذ فجر ميلاد الإسلام الى يومنا هذا (ان الكثير من الكتب الإسلامية تزخر بالكثير من الأمثلة التي تؤكد ما أقول).

لا أريد ان أدخل في مناقشة الأسباب التي دفعت بالمواطن السويسري الى رفض بناء المآذن، فقد تكفل بهذه المهمة المعقدة حشد كبير ممن عانوا ويعانون من ضجيج صراخ وعويل الذين اتهموا السويسريين وغيرهم بالإنحياز ضد الإسلام، إنما فقط أود ان أذكر: هناك العديد من الدول العربية الإسلامية تُحذِر حذراً قاطعاً على أبناء جميع الديانات الأخرى التي تعيش بكنفها وعلى مواطنيها الذين تحولوا من الإسلام الى الديانات الأخرى أي نشاط ديني ومهما بلغت درجة محدوديته رغم أن أبناء الديانات الأخرى في المجتمعات الإسلامية عناصر فاعلة وتساهم في صنع الحياة بشكل إيجابي جداً على عكس أبناء الجالية المسلمة في سويسرا وغيرها من بلدان الغرب الصهيوني الصليبي (إن النسبة الأعلى من البطالة هي بين أبناء الجالية المسلمة في كل أوروبا، وأعلى نسبة بين الذين يعملون بطرق غير مشروعة هي الأخرى أيضاً بين المسلمين) لا بل ان العديد منها تمنع ان يدخل أراضيها حتى الكتب الدينية التي يسمونها سماوية لأبناء تلك الديانات منعاً باتاً، وتحيل حامل هذه الكتب الى المحاكم كما في الجزائر بلد المليون شهيد على سبيل المثال وليس الحصر، والمضحك المبكي في الأمر هو ان بعض هذه الأنظمة السياسية الحاكمة في هذه البلدان ما انفكت تتشدق ليل نهار بالديمقراطية واحترام حرية خيار الإنسان لدينه ومعتقده، لا بل ان البعض الآخر صار يغدق الملايين من أجل إنجاح مهزلة ما يسمى بحوار الأديان دون ان يقر أصلاً بما تقول به الأديان التي  يحاور أصحابها بدعوى ان يعم الحب والسلام والوئام بين بني البشر في كل أركان المعمورة كما يتبجح في وسائل الإعلام كافة، وفي الوقت نفسه يشرف على رعاية الحاضنات التي تفرخ جحافل الإرهابيين بشكل يومي.

ان عدد أبناء الجالية المسلمة في سويسرا مثلاً هو بحدود الربع مليون او أكثر، ولهم عشرات دور العبادة ويمارسون عقائدهم الدينية على الطريقة التي تناسبهم بحرية مطلقة، في حين هناك أضعاف هذا العدد في بلدان دين المحبة والسلام والرحمة كما يصف قادة تلك البلدان ورجال دينها الإسلام، وما انفكوا يرددون على أسماع الناس دون كلل او ملل: لكم دينكم ولي ديني، ولكن مع ذلك نجد ان أبناء الجاليات غير المسلمة المقيمون في بلدانهم ممنوعين من إقامة أبسط شعائرهم الدينية علناً، لا بل يضايقون عليهم حتى في حالة إقامة تلك الشعائر بعيداً عن عيون الناس خشية تأثر مواطنيهم بتلك الأديان ورفضهم الإسلام (أنا حقيقة لا افهم كيف يكون الإسلام دين الله الذي يتصف بالصفات الفائقة الطبيعة التي يتفق عليها الجميع ويخشون عليه من البشر؟).

في البلد الذي أقيم هناك المئات من دور العبادة الإسلامية ولأني رجل فضولي فقد كان لي جولة في العديد من هذه الدور ووجدت في أغلب دور عبادة الإسلام السني المؤلفات الكاملة للإمام إبن تيمية، وإبن تيمية هذا كما نعرف جميعاً يدعو علناً وبصريح العبارة الى قتال من لا يتفق معه من المسلمين وخاصة الشيعة في طريقة العبادة، حسناً، لو كان الشيعة على دين إبن تيمية ويؤمنون بإلهه ونبيه وكتابه (على الأقل عند بسطاء الشيعة) ولكن مع ذلك يدعو الى قتالهم لأسباب فقهية ومسائل لا تتعلق بجوهر العقيدة الإسلامية، ترى ما موقف إبن تيمية ومن يقفون خلفه في صف الصلاة، ممن يرفضون التعبد لإلهه ولا يقرّون نبوة نبيه ويرفضون أربع أخماس كتابه المقدس؟ لا بد أنه سؤال محرج لمن يحاولون التوفيق بين ما يقولون به وما يدعون اليه سراً وعلناً وفق شروط التقية (الكذب الشرعي) التي شرعها إله الإسلام دون كل آلهة الأديان والمدارس الفكرية الأخرى، أما في دور العبادة الشيعية فالحال ليس بأفضل مطلقاً، الا أنه عرف عن الشيعة تفننهم باستخدام هذه اللعبة (أعني التقية) على شكل أفضل مما تفعله بقية المذاهب الإسلامية الرئيسية (الحنفية، الشافعية، المالكية والحنبلية) فهؤلاء كما يبدو استوعبوا التجربة اليهودية بشكل ممتاز وصاروا يحذون حذوهم في البكاء والنواح والإدعاء بالمظلومية حتى صار الكثير مضطراً الى الميل لتصديق رواية إبن سبأ اليهودي ودوره في تأسيس الفكر الشيعي.

بعد جدل طويل عريض وأخذ ورد ومساومات وتوافقات، خرج البرلمان العراقي بقانون الإنتخابات الذي قيل فيه كلام كثير كثير، سواء سلباً او إيجاباً ونُقضَ القانون وطال الكلام ايضاً في هذا النقض، وتقاطعت الآراء وتناقضت في تقييم النقض، ويبدو ان الأزمة قد انفرجت او على وشك الإنفراج، وهنا ايضاً لا أريد ان أتطرق الى أسباب النقض ولمصلحة من كان ذلك النقض فقد تطوع الى فعل ذلك الكثيرون سواء من أصحاب المصلحة والشأن او المستطرقون، إنما سوف احصر ما أريد قوله بالآتي:

أقر قانون الإنتخابات مبدأ الكوتا للكيانات الدينية والقومية الصغيرة، ولكننا حين نعرف عدد المقاعد المخصصة للكوتا سوف ينتابنا الحزن الشديد والإحباط قطعاً، فعدد مقاعد البرلمان المقترح لا يتناسب والأعداد المخصصة للكوتا كما لا يخفى على كل عارف ان عدد مقاعد البرلمان المقترح مبالغ به جداً جداً، لأننا واستناداً الى أبسط الإحصائيات سنجد ان العدد التخميني لسكان العراق اليوم  مبالغ به هو الآخر ولا يتناسب وهذا العدد المعلن مطلقاً وفق منطق العلم واستناداً الى الأحداث التي مرت بالعراق، وبعكسه سوف تكون جلّ دعاوى أحزاب السلطة حول الممارسات الظالمة للنظام السابق مبالغ بها جداً، هذا ان لم أقل كاذبة او ان هناك أعداداً أضيفت سلفاً الى عدد نفوس العراق لأغراض معروفة، وهذا ما لا يستغربه أي إنسان عارف بحالة الفلتان العراقية بعد شيوع الديمقراطية المزعومة، كيف عوضت الأعداد الكبيرة لضحايا النظام السابق، وكيف عوضت ضحايا الحروب والأنفال والمقابر الجماعية واقتتال الإخوة الأعداء الذي دام سنوات طويلة، ام ان المرأة العراقية صارت تلد مرتين كل سنة خلال العقود الماضية كما تفعل أغنام المرينرز الأسترالية؟

لقد خصص للصابئة المندائيين مقعداً برلمانياً واحداً فقط وهذا يعني ان عددهم يقل قليلاً او يزيد عن المئة ألف مواطن داخل وخارج العراق (على فرض صدق دعاوى أعضاء البرلمان فيما يتعلق بتساوي حقوق المواطن سواء داخل العراق او خارجه) ونحن جميعاً نعرف ان هذا هو الغبن والإجحاف بعينه، لأننا حين نقارن أعدادهم بأعداد الشبك الذين أشك ان يبلغ عددهم ثلثي المئة ألف داخل وخارج العراق ولكن مع ذلك خصص لهم معقداً برلمانياً واحداً أسوة بالأخوة الصابئة المندائيين (جلّ الشبك يسكنون محافظة نينوى، وقراهم صغيرة ومعدودة وأثير مؤخراً جدل طويل حول انتمائهم الى القومية الكردية، أنا شخصياً أميل الى تصنيفهم ضمن خانة القومية الفارسية، كما أميل الى تصنيف الصابئة الى القومية الآشورية) الذين تبلغ أعدادهم ضعف أعداد الشبك على الأقل، سنتأكد ان الظلم وقع على الصابئة عمداً، ويشرفني ان أحيي الشبك بكل احترام وتقدير لوقفتهم الشجاعة أمام كل الضغوطات التي تعرضوا ويتعرضون لها من قبل قوى معروفة، أما اذا تناولنا الحالة المسيحية واليزيدية، فإن الأمور كما تقول الوقائع تقترب جداً من حالة الأقصاء والتهميش المفتعل، اما لأسباب عنصرية او نزولاً عند رغبة صناع القرار في عراق ما بعد الديمقراطية، من أمراء الحرب وأصحاب الإقطاعيات السياسية في شمال الوطن الى أئمة الأحزاب الشيعية والسنية الطائفية في بقية أنحاء العراق المستباح، ولكن مع ذلك لم نسمع سوى بعض الأصوات الخجولة التي تطالب برفع الحيف والغبن عن هذه الكيانات أمام الكاميرات فقط.

كيف نفسر أسباب الغبن الذي لحق بالمسيحيين الذين كانت نسبتهم في العراق الى ما قبل عصر الديمقراطية بقليل تتجاوز 4% من عدد السكان، والمقاعد البرلمانية المخصصة لهم بحسب نظام الكوتا هي فقط خمسة؟ كما نعرف جميعاً ان نسبة الصابئة واليزيدية في العراق لا تقل مطلقاً عن 1-2%، في حين الشبك لا يشكلون أي نسبة تذكر ولكن مع ذلك جعل لهم صوتاً معادلاً لصوت اليزيدية او الصابئة، كيف نفسر ذلك وفق نظرية أصحاب الأصوات المنددة بمنع بناء المآذن في سويسرا يا ترى؟ هل نقول: ان الشبك على دين جلّ أعضاء البرلمان ويقترب مذهبهم الديني من مذهب أغلب أعضاء البرلمان وأعضاء الحكومة، وهمّش الصابئة واليزيدية والمسيحيين لأنهم ليسوا على دين أعضاء البرلمان؟ ما جدوى مكبرات صوت مأذنة البرلمان العراقي أيتها السيدات أيها السادة؟ أليس جلّ أعضاء البرلمان بلحايا مشذبة ومخضبة بدموع الأرامل واليتامى؟ الا يتحدث جميع أعضاء البرلمان ويناظرون بالديمقراطية كذباً وزوراً ومع ذلك لم نسمع ان منظمة إسلامية واحدة احتجت على سلوكياتهم؟ أين أصحاب المظاهرات والمسيرات المليونية الرافضة لكذا وكذا ومتى نسمع صوتهم وصدى وقع خطاهم وهم يطالبون بالحق التي تقره للكيانات الدينية والقومية الصغيرة شرائع الشيطان قبل شرائع الله التي يتشدقون بالعمل بموجبها؟ لماذا يصنف الشبكي بحسب انتمائه القومي وليس الديني، في حين الآشوري إبن الوطن العراقي الأصيل بانتمائه الوطني والقومي ولكن يصنف عنوة بحسب انتمائه الديني؟ متى نسمع صوت الكاردينال دلي والمطران سرهد جمو التي تمثل الطائفة الكلدانية الكاثوليكية المكلفون بإدارة شؤونها، نسبة 60-65% من مسيحي العراق؟ لماذا لا نسمع صوتهم سوى في المواقف السلبية التي من شأنها شرذمة الصوت الآشوري وتشظيه وإضعافه؟ ألم يسبق لهم التدخل في الأمور السياسية الحساسة جداً فيما مضى يا ترى؟ ما الذي يسكتهم أمام هذا الظلم الواقع على أبناء طائفتهم اليوم؟ أين صوت ما يسمى بالمجلس الكلداني السرياني الآشوري؟ أم ان هذا المجلس ممنوع عليه التنفس خارج  رئتي أصحابه الحقيقيين؟
 
في الجوار الذي أقيم، يسكن رجل آشوري ملحد، وآخر تحول عن المسيحية الى عبادة الحجر، وثالث يتعبد للإله آشور، ورابع متمسك بمسيحيته وكل منهم مصر ان يكون لوجوده القومي حضوراً على الساحة السياسية العراقية أسوة بأبناء القوميات الأخرى، ترى لأي قائمة إنتخابية يستوجب ان يعطي جيراني هؤلاء أصواتهم لكي يستقيم منطق المواطنة الحقة؟ إنه مجرد سؤال ساذج أضعه أمام المثقفين العراقيين. 
 

yakoballo@yahoo.co.uk