المستشفيات الحكومية والخاصة العراقية تتحول الى مسالخ بشرية
غيث الفياض
بغداد-09-01-2010
تراجع كبير سجلته مؤسسات العلاج بشكل عام وتأخر عن ركب التطور الخدمي الصحي شهدته المستشفيات الحكومية ولا مهرب أمام المرضى من الإستسلام للقدر او التوجه الى غابة الطب الخاص والعيادات الأهلية لا سيما ان هذين المفصلين الخاص والعام أوجدا علاقة تعاون وثيقة لكنها غير شرعية حاصرت أوجاع وأمراض الناس والمشهد لا يخفى على الحكومة ...
صالة الطوارئ: في إحدى صالات الطوارئ نظر صلاح فلم يجد الا ثلاثة أسرة بأغطية متسخة تحول لونها الى الرمادي وممرض يجلس في غرفة تقابل الصالة التي تفصل بين ردهة الرجال والنساء فيها ستارة من القماش طويلة ليست حالتها بأفضل من أغطية الأسرة وبينما يختلف المراجعون جيئة وذهاباً ولكل حالته، فيهم المصاب بسبب حادث والمتلوي من الألم خفية او فاقد الوعي، قرر صلاح أن يعود أدراجه ويلغي فكرة فحص علته لكن ما بيده حيلة فالوقت كان متأخراً وليس هنالك عيادة خاصة تفتح أبوابها في هذه الأوقات .
الأطباء الجدد: إقترب صلاح البالغ من العمر 42 عاماً من الشخص الذي اعتقد أنه ممرض فتبين أنه طبيب مستجد ولا يزال تحت التجربة، سأله الطبيب (صغير السن) عن حالته وطلب منه جلب تذكرة، عاد صلاح فلم يجده، إنتظر طويلاً حتى رجع من جديد ليضع سماعته على بطن صلاح ويكتب له قصاصة فيها خربشات - كما يصفها المريض - أخبر في ضوئها أنه بحاجة الى الرقود حتى الصباح ليقوم بفحوصات وصور بالسونار، وبدأت الساعات تحترق بهدوء كلما مر عليه الوقت زاد الألم ولا يعرف ماذا يفعل، قبيل الفجر انتهى به الأمر بالصراخ فلم يعد يطيق صبراً مع الألم المتزايد في أمعائه، وغاب عن الوعي ليجد نفسه في صالة العمليات يوقع على ورقة نصت على موافقته بإجراء عملية فتح بطن لرفع الزائدة الدودية.
ولا تزال الأحداث تتوالى داخل المستشفى الحكومي والقصة تروى، أُخرج صلاح من صالة العمليات ووضع في ردهة مع مرضى آخرين وتراجع تأثير المخدر ولا بد من حقن مهدئة لكنه كحال الباقين من المرضى المخرجين من صالة العمليات عليه الإنتظار، ويأتيه معاون الطبيب بين الحين والآخر ويسأل عن مرافقه ولا يوجد مرافق لأنه لم يعلم أنه مقبل على عملية، يبلّغ الممرض مريضه (هذه الحقن التي تعطيك إياها المستشفى من النوع الهندي الرديء وعليك إستبدالها بنوع آخر (كلافوران فرنسي) وهي لا توجد في صيدلية المستشفى لذا إشتريها من الخارج) هذا كل ما جاد به الممرض وحقن بعض الأدوية بكيس المغذي وغادر ويتساءل صلاح عن الطبيب الذي أجرى له العملية ومتى سيزوره ليعاين حالته من جديد، ومتى سيأمر له بتناول السوائل او الأطعمة، ويطول الإنتظار أيضاً ليومين تقريباً وتستمر المعاناة في مستشفى اليرموك.
هل يختلف الحال في المستشفيات الأخرى ؟ الحال نفسه في باقي المستشفيات الحكومية التي تعجز عن تأمين الخدمات الصحية للمرضى والراقدين مما يضطرهم الى زيارة المستشفيات الأهليةالتي هي الأخرى ليست بأفضل حال من المستشفيات الحكومية لكن الفارق يختلف من مكان الى آخر وبين المشافي نفسها، المريضة هناء عبد الحسين أجرت عملية قيصرية في مستشفى العلوية للولادة وقد أحضرت الى صالة الولادة لتنتظر ساعات الفحوصات والطوابير الطويلة ومن بعدها قرار الطبيبات في ما إذا كانت الولادة وشيكة أم لا وأخرت ليوم كامل في صالة الإنتظار حتى فوجئت بعد الفحص ان موعد المخاض قد مرّ عليه يوم ونصف اليوم تقريباً وهي بحاجة الى عملية سريعة وبعيداً عن تفاصيل العملية داخل الصالة التي لم تشهدها، تروي هناء ما بعد ذلك إذ تباشر المنظفات اللاتي يرعين الأم وينظفنها بعد الولادة بطلب الإكراميات ولا تقبل أي منهن بأقل من 10 آلاف دينار إن كان المولود بنتاً و15 ألف دينار إن كان صبياً ويتم نقل الأم بكيس من النايلون المقوى الى الحمامات مع الآلام، وما الى ذلك من عذابات ما بعد الولادة، وفي اليوم الثاني يأتي الأمر بإخراج بعض الأمهات لعدم كفاية الأسرّة واختناق الصالة في حين ان المدة الأدنى لرعاية المريضة هي 7 أيام .
سمسرة الأطباء الحكوميين: التمييز بالمعاملة تذكرها إحدى العاملات في مستشفى اليرموك في صالة الولادة على ان هنالك جناحاً شبه خاص معزول تقريباً ترقد فيه النساء اللاتي يراجعن عيادات طبيبات الجراحة النسائية في المستشفى وبالرغم من أنها ترفض تحديد الأسماء إلا أنها تقول ان كل عاملة في المستشفى ترتبط مع طبيبة جراحة من اللاتي يجرين عمليات الولادة في المستشفى ويعملن بعد الدوام الرسمي في العيادات الخاصة ويجلبن النساء الحوامل للعيادات فضلاً عن أنهن يحملن إجازات قبالة وتوليد ليمارسن التوليد بعد المساء وحتى الفجر في بيوتهن، ولكل منهن صالة توليد خاصة في دارها وتؤكد ان الطبيبة الجرّاحة لكي تحجز مقعداً في صالة العمليات لمراجعتها تتقاضى منها مقدماً ما لا يقل عن 250 ألف دينار قبل العملية، وبعدها300 ألف دينار وصولاً الى آخر مرحلة وهي رفع خيوط العملية وهذا العمل غير رسمي لأنه يحول المستشفى الحكومي الى صالة خاصة بالأطباء أصحاب العيادات العاملين في المستشفى نفسه.
الدكتورة الجرّاحة وجدان الحسيني طبيبة نسائية إختصاصية ومديرة منظمة إنسانية في بغداد تؤكد ان عدداً كبيراً من الأطباء العاملين في المستشفيات الحكومية لا سيما الجرّاحون الذين يستغلون المستشفيات التي يعملون فيها لصالح عملهم الخارجي، إذ يرتبون عدة جلسات علاج وتشخيص مع المرضى المراجعين في عياداتهم وينصحون المرضى المراجعين للمستشفيات الحكومية بأن يزوروهم في عياداتهم أولاً لترتيب الأمور معهم قبل أن يفلتوا من قبضتهم ويصبحوا في دائرة العمل المجاني داخل المستشفى وترى الدكتورة وجدان ان هذا العمل يتم بالترتيب مع المختبرات والمحللين ومصوري الأشعة والإداريين في المستشفى لتقاسم الفائدة من أوجاع المرضى وآلامهم وهذه الطبيبة تجزم بأن العمل بهذه الطرق غير الإنسانية يتم في أغلب مستشفيات الحكومة حتى ان الأدوية التي تستورد للمستشفيات لا تصلح أصلاً للإستعمال لأنها غير نافعة وتستوردها وزارة الصحة من مناشئ غير معترف بها ويتم اللجوء الى الصيدليات الخاصة الأهلية لجلب الأدوية منها للمرضى والراقدين ومراجعي المستشفيات الحكومية.
معاناة واحدة: وماذا بعد ذلك فوزارة الصحة تطالب بالأدلة من كل من يطرح هذه الإشكالات ولكن الأدلة في هذا الأمر ليست مهمة فالمواطن العراقي في كل مكان معاناته واحدة مع المستشفيات الحكومية والتحول في مهنة الطب من الجانب الإنساني الى الجانب الإقتصادي بمقاييس الإنتفاع المادي والإتجار بأمراض الناس قد أخذ أفقه الأرحب ولم يعد لنقابة الأطباء سيطرة على العيادات الخاصة فكل طبيب يفرض تسعيرته الخاصة التي تتصاعد يوماً بعد يوم، بينما تبحث النقابة عن هويتها الضائعة وشددت منظمة الصحة العالمية في أحد تقاريرها للحكومة العراقية وبالتحديد اللجنة الصحية في البرلمان العراقي المنتهية ولايته على ان الخطر في الضمان الصحي للمواطن العراقي فاق النسب المسموح بها وضرب التوقعات وأحوال المستشفيات والعيادات والمستوصفات مزرية بينما ينفق على قطاع الصحة ملايين الدولارات.
أجهزة الطب ومقاول الجرارات: ويلخص القضية مدير الصحة ماهر العابدي بالقول: إن صفقة شراء تجهيزات أجهزة رنين مغناطيسي متطورة وإيكو وبناء مستشفيات خاصة أحيلت على مقاول عراقي ومستورد لمكائن الحراثة وسقي المزروعات والجرارات ويتساءل كيف ستتم الصفقة والخبير مختص بالزراعة والآلات الثقيلة وهل ستنجح الصفقة التي حكمتها العلاقات الحزبية والعشائرية؟
الإجابة عن تساؤل مدير الصحة يبينه تقرير منجزات وزارة الصحة الذي خلي من منجزات بناء المراكز الطبية المتخصصة في المحافظات، في الوقت الذي تبين وزارة التخطيط في تقريرها للعام الماضي ان سعة مستشفيات العراق ككل لا يتجاوز 6 آلاف سرير بينما الحاجة الشهرية تفوق 20 ألف سرير في عموم العراق وعلى سبيل المثال فإن وزارة الصحة تؤكد ان مستشفى المدينة الطبية في بغداد يستقبل يومياً أكثر من ألفي مريض في كل ملحقاته وحقيقة الأمر أنه لا يستوعب بالنسبة لخدماته أكثر من 500 مريض يومياً ولا يتسع لأكثر من 700 سرير والحاجة الفعلية للأسرّة تزيد على 3 آلاف لهذا المستشفى الكبير الذي لم يشهد أي منجزات على طول المدة الماضية من حيث البنى التحتية او توسيع الملحقات او استحداث خدمات جديدة.
أقلام حرة