"التنور" يستعيد مكانته بين العراقيين
ماجد شاكر
بغداد-13-02-2010
في ظلّ هوس العراقيين بالوظيفة بسبب الرواتب الجيدة التي يتقاضاها العاملون في القطاع الحكومي لم تجد العائلة العراقية بداً من اللجوء الى المخابز لتأمين حاجتها من الخبز بعد أن ظلّ "التنور" لعقود طويلة يحتل مكاناً مهماً في البيت كما أن عملية "الخَبْز" تأخذ من ربة العائلة الكثير من الوقت لا سيما في ظروف الحصار الإقتصادي التي مرّ بها العراق قبل سقوط بغداد عام 2003وفي ظل انتشار المخابز العامة بدأ البعض يعتمد على الخبز المصنع رغم نحافته المفرطة وطعمه الذي يدل على أن عجينه لم يختمر جيداً.
تقول شيماء وهي معلمة وفي كلامها نوع من السخرية: "هجرت التنور الى الأبد لأنه عمل متعب" أما سمر محمد وهي موظفة حسابات فلم تعد تعبأ بالأمر بعد أن زاد راتبها أضعافاً وحين تعود الى البيت تجد أن المخبز قد أوصل طلبها من الخبز الحار والطري.
وأدركت النساء ان التعرض لنار التنور يفقدهن صفات جمالية ويكثر من انتشار "النمش" لهذا ابتعدن عن الخبز البيتي وفي فترة السبعينيات إنحسر التنور في الكثير من مدن العراق وظلّ مقتصراً بشكل أكبر على النساء الريفيات إلا أن فترة الحصار والحروب وما سببته من انخفاض لقدرة العراقيين المعاشية زاد من الإقبال على "التنانير" من قبل نساء المدن أيضاً بل أصبح لدى البعض حاجة مهمة وغالباً ما يتم تصنيع "التنانير الطينية" في القرى والأرياف لا سيما تلك التي تقع بجانب الأنهر وضفاف الشواطيء.
ومازالت العوائل في القرى والأرياف تقتني التنور الطيني برغم انتشار وتطوير تقنيات صناعة التنور الغازي ويقول علاء حسين وهو صاحب مخبز: "نكهة الرغيف المخبوز بالتنور الطيني أفضل من التنور الغازي فضلاً عن أن كلفة التنور الطيني أقل بكثير من سعر التنور الغازي".
حميد الجبوري وهو صاحب خبرة وتجربة أعوام في بناء التنور الطيني يقول: "أن عملية بناء التنور الطيني لا تحتاج الى وسائل خاصة إضافة الى أن عملية بناء التنور لا تستغرق أكثر من يومين حتى يترك ليجف في الهواء ثم يصبح جاهزاً للإستعمال".
الحاجةأم تغريد تروي تجربتها مع صناعة التنور التقليدية حيث يمثل ذلك مورداً لها فتقول" "تنور الطين يصنع عادة من مادة الطين الحري النظيف بعد أن يخلط مع الأعشاب اليابسة أو الأنسجة الحيوانية لإكسابه قوة ومتانة" وتضيف أم تغريد: "أضع قاعدة التنور على أرض مستوية ونظيفة ويكون بارتفاع قدم ونتركه ليجف بشكل كامل أولاً لكي نكمل المراحل التالية وتكملة عملية البناء يشاركني فيها أفراد العائلة لكن الأساس أصنعه بنفسي لأنه عملية دقيقة جداً ولا بد أن يكون متينًاً حتى لا يهوي التنور والتنور يأخذ شكلاً أسطوانياً في الغالب عريض من الأسفل ثم يضيق من الأعلى كما نضع فيه فتحة لإيقاد النار إضافة الى أنها مهمة جداً لغرض التهوية".
وتنتشر المخابز في المدن العراقية بشكل كبير وغالباً ما يكون الخبّاز عملة نادرة وصاحب خبرة وتجربة طويلة لإنتاج رغيف خبز مدور وناعم وأبيض ورقيق أيضاً يخلو من
الحرق أو المناطق الفارغة ويحتوي المخبز على تنورين على الأقل ويحتاج الى أربعة أشخاص لإدارتهما بصورة صحيحة.
وفي قرى العراق وبعض مدنه فإن الكرب وسعف النخيل تشكل وقوداً مثالياً للتنور ولا بد من الوصول بدرجة الحرارة الى نقطة معينة لكي لا يسقط الخبز وتستخدم وسادة من القماش لتنظيف سطح التنور الداخلي من الخبز الذي يحترق وينظر عراقيون الى التنور بعين الإحترام والإجلال لما يمثله من أهمية خاصة للبيت العراقي ويعدونه مصدراً للخير والبركة.
وبحسب سليم الأسدي وهو باحث في التراث فإن التنور العراقي بشكله الحالي يعود الى الحقبة السومرية ويرجع البعض العودة الى التنور الطيني الى عدم توفر الغاز السائل في أوقات كثيرة.
سليمة حمدي وهي ربة بيت تمتلك تنوراً هو مصدرها في العيش بعد وفاة زوجها وتقول سليمة: "أصنع الخبر لبعض العوائل والمطاعم القريبة وهذه الصنعة هي مصدر عيشي الوحيد بعد أن تعلمتها على يد امرأة ريفية" وتضيف: "بعض العوائل لا تتذوق خبز التنور الغازي أو المعمول في الأفران الصناعية وتطلب مني أن أوفر لها ما تحتاجه من الخبز يومياً" لكن ثمة نساء لا يتمكن من صنع الخبز بأيديهن فـ(أم زهراء) تعاني من الحساسية بسبب الدخان المتطاير وهي تتألم لأنها لم تعد تقترب من التنور الذي له قدسية خاصة عندها.
ويقول صاحب فرن صمون الغدير أن الطلب على الخبز إزداد في الفترة الأخيرة وبسبب ذلك يضطر أصحاب الأفران الى اختصار فترة التخمر مما يفرز طعماً غير محبب في الخبز ويضيف: "نضطر الى خلط أنواع من الطحين الجيد والرديء لأن الإعتماد على الجيد فقط لا يعط ربحاً" ويضيف: "نعاني من عدم توفر الوقود وانقطاع التيار الكهربائي".
ويقول بائع التنانير أبو قاسم أن الإقبال على شراء التنور قد زاد عن فترة الثمانينيات من القرن الماضي والتسعينيات أيضاً فرغم تحسن الوضع المعاشي للناس إلا أن هناك من يفضل الخبز البيتي وذلك لعدم التزام أصحاب الأفران والمخابز بالشروط اللازمة لإعداد رغيف الخبز ويتوقع أبو قاسم أن المستقبل سيشهد عودة كبيرة الى الخبز البيتي إذا ما استمر الأمر على ما هو عليه اليوم.
وكالات