أقليات نينوى: جهات مختلفة وأجندات متعددة وراء إفراغ المدينة من أهلها
نينوى - بلاد آشور - العراق
17-06-2010
قبل أيام معدودة على إطلاق عملية أم الربيعين الأمنية في الموصل وفي الأول من أيار 2008 بالتحديد دخل أربعة ملثمين في وضح النهار زحام سوق حي الجزائر في وسط الموصل وأفرغوا عشرين رصاصة في جسد أحد قاطني الحي وخلا السوق في ثوان معدودة من المارّة وقبل ان تصل سيارات الشرطة الى المكان كان أحد المسلحين قد نقل رسالة صوتية سمعها أصحاب المحلات القريبة المختبئين: "هذا مصير كل شبكي يسكن في الموصل".
هذه الحادثة لم تكن سوى جزء من مسلسل صار يتكرر يومياً في المدينة المتعددة الطوائف والأعراق بالرغم من استمرار القوات الحكومية في عملية "أم الربيعين" الى الآن ففي الأول من أيار من العام الحالي تعرض موكب نقل يضم طلبة جامعة الموصل المسيحيين الذين يقطنون في قضاء الحمدانية كبرى المدن المسيحية في محافظة نينوى الى هجوم بعبوات ناسفة بالقرب من إحدى نقاط التفتيش وكانت الحصيلة سقوط قتيلين من الطلاب المسيحيين وأكثر من مئة وخمسين جريح.
بعدها بأيام وفي 11 أيار الماضي "إقتحم مسلحون ملثمون منزلاً يعود لأحد عناصر الجيش العراقي من المكون الشبكي في منطقة حي الجزائر وسط الموصل وقتلوا شقيقته التي تبلغ من العمر 18سنة وأصابوا شقيقه بجروح خطرة" وفق ما صرحت به شرطة المدينة ولم تسلم من هذه العمليات منازل المسيحيين واليزيديين والتركمان والشبك أو غيرها من المكونات الصغيرة التي تقطن المدينة وغالباً ما تظهر عصابات المسلحين وتختفي دون ان تلمحهم أعين قوات الشرطة أوالجيش المنتشرة بكثافة في مناطق وأحياء وشوارع وأسواق مدينة الموصل.
شقيق أحد المستهدفين من القومية الككية - وهي قومية صغيرة - طلب عدم ذكر إسمه قال إن "استهداف الأقليات في نينوى لا تنفذه جهة واحدة وتنظيم القاعدة ليس الخطر الوحيد الذي يلاحق الأقليات الدينية والعرقية" فالأمر حسب رأيه "مرتبط بأجندات تنفذها مختلف الفصائل والجهات المسلحة بعضها يرتبط بدول مجاورة للعراق والأخرى بقوى سياسية كبيرة ومتنفذة في البلاد" وهذا الرجل الذي فقد أخاه قبل أكثر من عام في تفجير إنتحاري يبدو واثقاً أيضاً من تورط عناصر من القوات الأمنية في هذه العمليات "فالأسلوب العلني الذي تنفذ به تشير بوضوح تام الى تورطهم او تواطؤهم على الأقل".
ويحذر المراقبون السياسيون وزعماء الأقليات من أن مدينة الموصل ومنذ 2003 تفرغ من أقلياتها الدينية والعرقية بشكل تدريجي دون ان تتمكن العمليات الأمنية الواسعة التي تجري هناك في أوقات متباعدة من سدد فوهات البنادق فمع بداية عام 2005 وتعرض اليزيديين الى القتل والخطف والتهجير المنظم من مدينة الموصل مركز محافظة نينوى لم يبق يزيدي واحد في المدينة وقد تركزت هجرة اليزيدية الى مناطق تواجد أبناء جلدتهم في قضاء سنجار غرب نينوى او شمالها في قضاء الشيخان او ناحية بعشيقة او القرى المحيطة بناحية ألقوش.
ومع الدخول في عام 2006 ووصول طلائع المهجرين السنة من باقي مدن العراق الى الموصل في أعقاب تفجير مرقد الإمامين العسكريين في مدينة سامراء واشتعال الحرب الطائفية بدأت حملة تصفية تجاه الشبك الذين يصل عددهم في عموم المحافظة الى 450 ألف نسمة يشكل الشيعة منهم نحو الثلثين فقتل نحو ألف شبكي في مركز المدينة وحدها وفجرت منازل ومحلات الكثيرين منهم وأجبر الآخرون على الهجرة ليتجه معظمهم الى أكثر من خمسة وستين قرية للشبك في شمال وشرق نينوى واستهدف المسجد الوحيد للشيعة في مدينة الموصل والكائن في منطقة الفيصلية وقتل إمام المسجد وأحد أبنائه بعبوة ناسفة ووصل الأمر الى نصب المسلحين نقاط تفتيش في مداخل مدينة الموصل وكان القتل يجري على الهوية لأن الأسماء تدل على القوميات فعلى سبيل المثال "خديده" لايتسمى به إلا اليزيدي و "جورج" مسيحي وهكذا.
في هذه الأثناء إستهدفت كنائس ومواطنون مسيحيون قتلوا ومع تفجر الوضع في تلعفر أكبر أقضية العراق والتي يقطنها التركمان المنقسمين سنة وشيعة بدأت حملة ضد المتواجدين منهم في الموصل ليلتحقوا بمن سبقهم من الشبك والأكراد في أكبر هجرة جماعية يشهدها تاريخ الموصل التي أصبحت خالية تقريباً إلا من العرب السنة ويقول أحمد ربيع وهو صحفي مراقب لأوضاع الأقليات في المدينة أنه "ورغم الإستهداف المعلن من قبل القاعدة للمسيحيين في الموصل إلا أن الكثير من العائلات ظلت باقية في منازلها في أحياء النور والمهندسين والزراعي والساعة والزهور والدواسة لكنها حذرة في العادة ومدارسهم تحظى بحراسات مشددة لكن معظم أبنائهم من طلاب جامعة الموصل تركوا مقاعد الدراسة".
المتجول الآن في الشوارع يلحظ أن الأزياء الشعبية اختفت نسبياً من المدينة فحتى لو غامر يزيدي بالدخول الى مدينة الموصل أو تجول فيها فإنه يتجنب إرتداء الزي الشعبي المعروف به لأنه سيؤدي الى قتل صاحبه باستثناء الزي العربي الذي ظل حاضراً وبكثافة أكبر من ذي قبل نظراً لهجرة الريف العربي الكثيفة الى داخل مدينة الموصل في العقدين الماضيين ويشير أحمد ربيع الى أن من تبقى من الشبك المتركزين في حي الكرامة وكراج الشمال والنور وحي الجزائر ومنطقة النبي يونس وكلها أحياء في الجانب الأيسر لمدينة الموصل "معظمهم يرتدي الزي العربي (الدشداشة) وكذلك الحال مع التركمان المنتشرين في ذات المناطق تقريباً".
وفي أعقاب إستهداف حافلتين تقلان طلاباً مسيحيين قادمين من قضاء الحمدانية كبرى المدن المسيحية في نينوى إلى جامعة الموصل طالب محافظ نينوى أثيل النجيفي الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والإتحاد الأوروبي بإجراء تحقيق دولي لما تتعرض له القوميات في نينوى من عمليات تهجير وقتل منظم ويتهم النجيفي قيادة عمليات نينوى المرتبطة بشكل مباشر برئيس الوزراء نوري المالكي بعدم التعاون مع الحكومة المحلية رغم المطالبة المستمرة في إشراكها بالخطط الأمنية وقال بأن "السبب في عدم تحرك الحكومة المركزية إزاء مايحدث باستمرار في الموصل هي التقارير غير الدقيقة التي ترفعها أجهزة الإستخبارات عن الوضع على الأرض" وانتقد المحافظ إجراءات التحقيق الجنائي واصفاً إياها بـ "الضعيفة" بسبب أن من يقوم بها في العادة ضباط في الجيش "لا يمتلكون خبرة علمية في التحقيق" ويحذر كتاب ومراقبون سياسيون موصليون من أن مدينتهم الموصل "باتت مدينة رعب بالنسبة للأقليات" وأن المكونات الصغيرة قد غادرت المدينة وقد تغادر أطرافها إذا ما استمرت أعمال العنف على ما هي عليه مطالبين "بتنسيق أمني أكبر بين الحكومة المحلية والحكومة المركزية" كي لا تبق الموصل "بلون واحد فقط".
أور