المحرر موضوع: العرق يعود الى العراق رغم منعه من المتشددين  (زيارة 271 مرات)

غير متصل Assyria

  • Administrator
  • ANA ASHUR Users
  • *******
  • مشاركة: 13169
العرق يعود الى العراق رغم منعه من المتشددين: أبو نؤاس يرفع كأسه من جديد وسط بغداد

سيف الخياط
بغداد - 21-07-2010



يتفحص ميخائيل بعيونه أجساد الرجال الداخلين الى محله وبين نظرة وأخرى يراقب واجهة المحل ويتابع جميع السيارات الواقفة على الرصيف وبسرعة وقلق يضع زجاجات العرق او قناني البيرة في أكياس سوداء ليسلمها لزبائنه وقد أغلقت أغلب محال بيع المشروبات الكحولية في العاصمة بغداد منذ سنتين علاوة على غلقها في بقية المدن الوسطى والجنوبية ولم تنج أيضاً تلك المحال في مدن شمال بغداد ولم يقف الأمر على غلقها بل صارت تلك الدكاكين الصغيرة أماكن للتفجير والموت بين فترة وأخرى والأبواب الوحيدة لتلك المحال التي نجت من سلاسل الحديد وحافظت على حريتها في استقبال وتوديع الزبائن هي التي تقع في كرادة مريم غرب بغداد على مقربة من مدخل المنطقة الخضراء المحصنة وأمام وزارة الدفاع العراقية "ولولا الحماية التي وفرتها القوات الأميركية لكانت هذه الأبواب مسجونة هي الأخرى" كما يقول صاحب أحدها.

يتفاخر العراقيون بأنهم يشربون العرق وهو شراب مخمر تبلغ نسبة الكحول فيه على الأقل 45% ويصنع من تمر النخيل الذي تنتشر زراعة أشجاره في وسط وجنوب العراق وله أنواع متعددة منه عرق العصرية وعرق الشرقية وعرق هبهب وعرق زحلاوي إضافة الى أنواع أخرى مستوردة من تركيا واليونان مثل عرق أوزو وعرق ياني راكي تصنع من العنب ويثير عرق هبهب إستغراب العراقيين على الرغم من مميزاته الخاصة التي يتمتع بها لكونه مشروباً من النوع الثقيل يؤدي بصاحبه وبكأس واحدة الى عالم السكر والخيال والنطق الثقيل واستغراب العراقيين يأتي من طبيعة الأحوال المتغيرة التي شهدها بلدهم حيث تدور السنين وتتحول مدينة هبهب التي تنتج هذا النوع من العرق شمال شرق بغداد الى وكر كبير وشهير لتنظيم القاعدة وفيها تم اصطياد الهدف الأول لهذا التنظيم وزعيمه الأردني أبو مصعب الزرقاوي.

يقول ميخائيل 35 عاماً صاحب أحد المحلات في شارع السعدون شرق بغداد "لقد عدت الى عملي منذ شهر تقريباً وبعد ان وجدت ان الأوضاع الأمنية باتت أفضل من السابق وتنتشر بشكل واسع قوات الشرطة والجيش العراقي وهذا يمنحنا بعض الأمان لكننا أيضاً قلقون من الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة كما كنا نخاف منذ سنتين من الخطف على يد الميليشيات" ويتابع "لقد خطف عدد من بائعي الخمور في بغداد وقتل البعض الآخر وطالبونا بدفع الفدية وهاجر بعضنا الى سوريا والأردن بحثاً عن عمل وتهدمت محلاتنا في أكثر من موقع وواقعة وصارت تجارتنا من الممنوعات" كما يقول ميخائيل ويضيف "أنظر باستمرار الى أجساد الزبائن خشية ان يكون أحدهم يحمل متفجرات واضطررت لتأجير حراس شخصيين يقفون على ناصية الشارع او أدخل المحل للمراقبة".

غالبية أصحاب هذه المحلات من الديانة المسيحية او اليزيدية او ربما تجد أصحابها من المسلمين لكنه يضع في الواجهة عاملاً مسيحياً لأن هذا النوع من التجارة يعتبر من المعيبات في المجتمع العربي المسلم كما لا يسمح القانون العراقي بمنح تراخيص للعمل إلا إذا كان الشخص من الديانات غير المسلمة كما ان الحرب الطائفية بين السنة والشيعة ومنع بيع المشروبات الكحولية كانت دائماً مثار سخرية من شاربي الخمور في العراق ويتناقل الشباب في بغداد بيتاً من الشعر الشعبي ينسبونه الى شاعر عراقي إسمه سمير صبيح يقول فيه "العرق كلش زين لا اتكلي مو زين الشمر لو سكران جا باس الحسين" في إشارة الى فوائد العرق للتقليل من الحروب والمشاكل ويجعل صاحبه في حالة استرخاء وعاطفة جياشة لو كانت متوفرة لدى الشمر إبن ذي الجوشن في معركته مع الإمام الحسين لما جرى القتال واستمر ذالك الخلاف حتى يومنا هذا.

تحولت خلال السنتين في بغداد تجارة الخمور الى عالم من السرية أشبه بتجارة الكوكايين ولعل شراء زجاجة من العرق قد تؤدي بصاحبها الى عالم الغيب واختار أصحاب المحلات مواقع أخرى لعملهم بواجهات أخرى مثل بيع أجهزة الموبايل او المواد الغذائية ويجلبون كميات محدودة تسد عطش زبائنهم الخاصين والمعروفين لديهم وهناك "معبر رفح" وهو المدخل الرئيس لمدينة الصدر الثورة سابقاً وسمي بهذا الإسم لوجود نقطة تفتيش فيها تعد الأكبر من نوعها والأكثر دقة ومليئة بالحواجز الكونكريتية ورجال شرطة وعناصر لميليشيا جيش المهدي التي تولت حفظ أمن هذه المدينة ويمثل المعبر مصدر قلق ورعب شديد للذي يعود الى بيته حاملاً معه زجاجة عرق فيكون عرضة للضرب والمصادرة من قبل المتدينين والمنتمين الى الميليشيات على الرغم من أعداد كبيرة من عشاق شرب العرق من سكنة المدينة.

أبو رعد من سكنة الناصرية جنوب العراق يقول "أستطيع الآن ان أكون أفضل مهرّب للممنوعات فالخبرة التي اكتسبتها في نقل زجاجات العرق من بغداد الى مدينتي جعلتني محترفاً في هذا المجال فالتحسن الأمني في بغداد جعل بيع المشروبات مسموحاً تقريباً لكن في مدن الجنوب صار مستحيلاً بسبب سلطة وسطوة الميليشيات المتنفذة داخل الحكومة المحلية" ويرفض أبو رعد الفصح عن الوسائل التي يهرب فيها العرق حتى لا تنكشف طرائقه ويقول متحسراً على الحرية التي جاءت الى بلده لكنها حرمت "كانت الناصرية تسمى موسكو الصغرى لعدد الشيوعيين الذين فيها وكانت تضم نوادي وبارات ليلية ومحلات لبيع الخمور بشكل واسع والآن ليس فيها غير الجدران السوداء".

يقول العراقي لصديقه عند المساء "هيا بنا نسكر" فالشرب في حد ذاته غير كاف وإنما السكر وحده والثمالة هما اللذان يشفيان الغليل ويتبارى البعض في شرب العرق دون تخفيفه بالماء ويستنجد بعد ذلك بحبات الحمص والباقلاء لتغيير الطعم المر الذي يسببه ويعتبر "الجاجيك" خليطاً من اللبن والخيار والثوم ضيف مائدة العرق الدائم وبعد سقوط نظام صدام كانت أرصفة الشوارع في العاصمة تضج بالباعة المتجولين وهم يحملون حافظات مثلجة لبيع البيرة ولكن السلطة الوطنية العراقية ومع تسلّم الدكتور إبراهيم الجعفري رئاسة الوزراء أنهت أيام الحرية وبات من الأحلام ان تجد بائعاً من هذا النوع واليوم تعيد بعض علب البيرة الفارغة الملقاة على الأرصفة ذاكرة تلك الأيام ولعلها مخلفات نزهة قام بها شبان عراقيون في سيارتهم.

تحدّت بعض البارات الصغيرة على نهر دجلة الشرقي في منطقة الكسرة القريبة من الأعظمية سنوات الغليان الأخيرة وناورت قدر المستطاع لتبقى حية بزوارها وبشواء السمك العراقي المسكوف وكذلك فعل البار الصغير لإتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في ساحة الأندلس وبين الإغلاق لأيام يفتح بابه لأيام أخرى وأمام أحد المحلات في بغداد إحتشد الزبائن لشراء العرق ورغم كل أنواع الحياة الخشنة والعنيفة التي يعيشها سكان العاصمة والتي تلقي بظلالها على مزاجهم وسلوكهم لكن تراهم في غاية الإسترخاء ومستعد أحدهم لترك مكانه لزبون آخر إذا كان في عجلة لشراء العرق عن طيب خاطر.

وفي حكومة إبراهيم الجعفري ذبحت أول زجاجة عرق وسال دمها الأبيض على أرض العراق وكان مشهد يرويه الجميع حينما زار وزير المواصلات سلام المالكي المنتمي للتيار الصدري الذي يتزعمه السيد مقتدى الصدر السوق الحرة في مطار بغداد وكسر جميع ما فيها من زجاجات المشروبات الروحية ومن يومها صار المطار ممراً للإرهابيين وحملة حقائب الفساد المالي.

تحتل الخمرة في موروث العراق الأدبي مكانة واسعة ولعل حب العراقيين لأبي نؤاس الشاعر العباسي الذي كتب أجمل الأشعار فيها وتمثاله في شارع سمي باسمه شرق بغداد دليل آخر ولعله يرفع هذه الأيام كأسه من جديد فرحاً بالحرية مرة أخرى.


شارع أبو نؤاس


وكالات