الحدائق المنزلية أصبحت دكاكين وشقق للإيجار بعدما كانت واحات صغيرة ومتنفساً للعائلات
عواطف مدلول الخمّاسي
بغداد - 26-07-2010
الحديقة: رئة المنزل وواحته الصغيرة ومتنفس لا بد منه في بيوت الكثير من العراقيين على مدى عقود بعضهم حولها الى واحة خضراء مزدانة بمختلف أنواع الورود وآخرون خصصوا أجزاء منها لزراعة مختلف المحاصيل والخضراوات وعدم الإعتماد على سوق الخضار والفواكه بل أن بعض العائلات استغل حديقة البيت وحولها الى حقل صغير لزراعة الخضراوات وبيعها على الجيران فصارت الحديقة أحد مصادر رزق العائلة طيلة فترة أعوام الحصار البغيضة ولكن مثل هذه المظاهر تكاد تختفي تماماً في الأحياء السكنية القديمة منها والحديثة بسبب عوامل عديدة منها استغلال مساحة الحديقة المنزلية لبناء مشتمل او شقة أو غرف اضافية ومنها صغر مساحة قطع الأراضي السكنية إضافة الى أسباب أخرى عديدة.
الحديقة: فائض عن الحاجة: الحاج أبو أيمن أحد الذين عملوا على تغيير تصميم منزله وحوله الى ثلاث شقق صغيرة ووزعها بين أبنائه المتزوجين يقول أبو أيمن: الزيادة السكانية التي حصلت في السنوات الأخيرة في العراق شكلت سبباً رئيساً في تفاقم أزمة السكن وبالتالي لجأت بعض العائلات الى استغلال الجزء "الفائض من منزلها وهو الحديقة" لسكن أحد أفرادها فليس هناك خيار آخر او حل لتلك المشكلة ومن الصعب حالياً الحصول على سكن في ظل ارتفاع أسعار الإيجارات مقابل تصاعد أسعار الأراضي والعقارات.
أما أم ملاك وهي ربة بيت فقد أطلقت حسرة على حديقة بيتها بعد قرار صاحب البيت الذي فاجأها برغبته في فصل الحديقة عن البيت لغرض تحويلها الى شقة للإيجار رغم العناية الفائقة التي طالما أبدتها للحديقة طيلة الأعوام الماضية وتقول أم ملاك: لقد كانت تلك الحديقة ملاذاً آمناً لأطفالي يلهون فيها ويمرحون وبالذات خلال العطلة الصيفية إذ يقضون أغلب وقتهم فيها كما أنها تخلصني من مسؤولية متابعتهم والإهتمام بأمور البيت وأنا مطمئنة عليهم كونهم أمام عيني وبعيداً عن مخاطر الشارع خصوصاً ان وضعي الصحي لا يسمح لي باصطحابهم الى المتنزهات العامة او الذهاب بهم في زيارات وسفرات عائلية.
بعض أصحاب المنازل التي كانت تشمل حدائق فضّل تحويلها الى محل تجاري لتحاشي مخاطر الشوارع التي طاله منها أكثر من انفجار يقول سامي وهو شاب عاطل عن العمل:أنه ركن الى تقبل فكرة عائلته باستغلال حديقة المنزل لافتتاح محل لصناعة أنواع الحلوى وبيعها على غرار ما فعله بقية الشباب في منطقته التي اكتظت أحيائها وأزقتها بالمحال الصغيرة الزاخرة بمختلف البضائع ويضيف: هذا المقترح هو الخيار الأفضل لأنه لا يتطلب مني الذهاب الى أماكن بعيدة مما قد يثير قلق عائلتي التي تريد ان توفر الحماية لي وتشجعني دوماً على خوض تلك التجربة لاسيما أن ما أحتاج اليه من مواد أولية مهيأة أمامي وبالقرب من منزلي.
تحولات: يرى الباحث الإجتماعي خليل الأحمد ان العلاقات الإجتماعية وبالأخص الأسرية لم تعد متلاحمة وصلبة أو قوية وحميمية كالسابق فقد كانت الأسر الصغيرة تندرج تحت مظلة العائلة الكبيرة وتعيش جميعها مستقرة تحت سقف واحد لا تهزها الأزمات المادية ولا تؤثر فيها حالات الفقر التي عانت منها وتحكمها العادات والتقاليد الأصيلة أما الآن فيبدو ان شروط الحياة الزوجية الحالية تتركز أبرز متطلباتها ومضامينها في تحقيق الإستقلالية في العيش بمعزل عن الأهل ولذا فإن العائلة أصبحت تستغل الحديقة وتتجاوز عليها لبناء مسكن صغير لأحد أبنائها وأضاف: ظهرت في مجتمعنا سلوكيات تسببت في نشوء تقاليد جديدة فرضت نفسها سريعاً على الفرد العراقي الذي بدأ يتقبلها باستسلام فلم تواجه رفضاً إلا في حالات نادرة وكل ذلك ناجم عن كثرة المشاكل والعقد الإجتماعية والنفسية التي تصدرت الحياة اليومية على إثر عوامل عديدة تتعلق بالتحول الكبيرالذي طرأ خلال السنوات الأخيرة على التفاصيل الحياتية للمجتمع بكل مفرداته فتسبب في خلق إرباكات بالحياة الطبيعية البسيطة والمتواضعة التي كان ينعم ويتمتع بها الإنسان العراقي وعلى جميع المستويات فأصبح الوضع لا يطاق على ما كان عليه في الماضي والكل يبحث عن راحته فباتت الحديقة هي الحل والبديل والأمثل ولذا فإلغاء الحديقة المنزلية يشكل تطوراً سلبياً.
أصص عوضاً عن الحدائق: ينصح المهندس الزراعي سلام عبد الحسين العائلة التي لا تمتلك حديقة بمنزلها بأن تعوّض عنها بوضع أصص صغيرة لبعض النباتات والزهور ونباتات الظل والشوكيات لتوضع في زوايا وأركان البيت والمساحات الفارغة فيه وأضاف: كانت تلك الظاهرة تنتشر فقط في السكن العمودي أي العمارات والشقق ولكن الآن إتسعت لتشمل مختلف المنازل إذ ان الشعب العراقي عرف بكونه محباً وعاشقاً للطبيعة وهو لا يستغني عن وجودها فهي تبعث الراحة والحياة في نفسه وتخلصه من الضغوطات النفسية التي قد يتعرض لها وهناك نظام عالمي يستخدم لحل مثل هكذا مشكلة تم تطبيقه في العديد من البلدان الفقيرة ذات التعداد السكاني الكبير وحقق نجاحاً وهو الزراعة بلا تربة أو ما يسمى الزراعة بلا أرضية والتي تتم في أسطح المنازل بل إنه يعد مشروعاً مربحاً ومثمراً تنتج فيه بعض أنواع الخضر الصحية للإستهلاك الشخصي من قبل الأسرة.
قيم جمالية وروحية: الفنان التشكيلي قاسم حمزة يرى أنه لا يمكن إغفال أو تجاهل الدور الذي تلعبه الحديقة في إضفاء القيم الجمالية والروحية للمنزل كما أنها تعبر عن ذوق ساكنيه ولطالما شكلت أساساً في مكونات البيت البغدادي وهي متوارثة بحيث كانت ولأهميتها الكبيرة تخصص لها مساحة تتوسط البيت (الحوش) وتزرع بأشجار الياس التي تنثر عطر راحتها في أنحاء المنزل وهي لوحة جميلة نفتقدها الآن وغابت عنها ملامحها بعدما تجسدت فيها أروع الصورالمتمثلة بأوقات العصر التي كانت تجتمع بها العائلة لتحتسي الشاي وتناول العشاء في أحضان خضراء تبعث الراحة والسكينة والهدوء في النفوس.
إرتفاع درجات الحرارة: ودعا الخبير البيئي ثائر شفيق على ضرورة عودة الحديقة الى المنازل العراقية لاسيما في الظروف الجوية القاسية التي يعاني منها البلد حالياً وهي الإرتفاع المفرط في درجات الحرارة واستمرار هبوب العواصف الترابية والرملية وظهور الحالات المرضية الغريبة جراء ذلك مؤكداً ان الأشجار والنباتات تخلق مناخاً بيئياً صحياً يمنع التلوث ويعمل على التقليل من الضجيج والتخفيف من حدة الضوضاء والأصوات العالية المزعجة لاسيما في المناطق المزدحمة كما ان وجودها يحقق نوعاً من التوازن البيئي للمكان ويلطف ويحسن الجو وينقيه من الأتربة.
الصباح