المحرر موضوع: ظاهرة التحمُّر في السياسة العراقية - 2 -  (زيارة 119 مرات)

متصل Assyria

  • Administrator
  • ANA ASHUR Users
  • *******
  • مشاركة: 13169
ظاهرة التحمُّر في السياسة العراقية - 2 -

عراقي الجنوب
30-07-2010

أراد ملك من الملوك أن يغزو بلداً مجاوراً عدواً له فطلب من وزرائه المشورة فأشاروا عليه بإعداد جيش قوي وتدريبه على فنون القتال المختلفة وصناعة وابتكار أسلحة قوية فتاكة من أجل تدمير جيش العدو والسيطرة على أرضه وعلى الرغم من موافقه الملك على تلك المقترحات وإصداره الأوامر لتنفيذها إلا أنه أمر بشيء آخر، فقد قام الملك بإرسال جواسيس يجلبون له الأخبار من أنحاء بلد الأعداء ولما عاد الجواسيس صاروا يسردون له تفاصيل ما علموا ولكن الملك لم يبد ما يدل على قناعته بأهمية تلك الأخبار حتى قام جاسوس من الجواسيس وقال للملك: دخلت الى سوق تلك المدينة يا مولاي وذهبت الى دكان من الدكاكين وطلبت شراء بعض المواد منه لأرى قيمة الأسعار ومناسبتها لدخل الفرد وقلت لعلّي إن رأيت الأسعار عالية والدخول قليلة أجد من أستطيع رشوته للحصول على المعلومات السرية لهذا البلد، ولكني فوجئت  يا مولاي بشيء رأيت من المناسب أن أنقله لجلالتكم فقد أعطاني صاحب الدكان نصف المواد وطلب مني أن أشتري النصف الآخر من الدكان المجاور فظننت أنه لا يملك تلك المواد لكنه أجاب بأنه باع ما يكفي لهذا اليوم لكن جاره لم يبع كثيراً لذلك فهو يريد مني الشراء من جاره لمساعدة ذلك الجار على الربح وهنا أطرق الملك وعلم ما يقصده الجاسوس الحكيم فقال الملك: نعم شعب تلك قيمه وأخلاقه لن نستطيع هزيمته وظل الملك يتتبع أخبار تلك الدولة حتى فسدت أخلاق الناس ثم غزاها وأسقط جيشها بسهولة.

أياً كانت تلك القصة حقيقية أم خيالية لكن مدلولها هو المطلوب وهو أن المجتمع الذي تسود فيه الأخلاق النبيلة يكون قوياً ويصعب على أحد احتلاله أو استعباد أهله أو إذلالهم لأن القيم العالية والأخلاق الفاضلة تسمو بالإنسان الى مراتب عليا تجعله يتصرف بما يليق بتلك الأخلاق فهو يبني ما يسكن فيه ويبني ليسكن غيره ويزرع ليأكل ويزرع ليأكل غيره ويصنع لتكون حياته سهلة مرفهة ويصنع لتكون حياة الآخرين سهلة مرفهة ولا يمكن أن يفعل ما يفسد الأرض ولا يرضى أن يفسد الآخرون الأرض فهو يحارب الفساد بنفسه ويدعو الآخرين لمحاربة الفساد ولذلك فإن المفسدين ومنذ بداية الصراع بين الخير والشر أول ما يبدأون به هو تدمير القيم والأخلاق للمجتمع لأنها الأساس والسلاح الذي يستخدمه المصلحون في تقوية الإنسان وتوعيته وتثبيته على طريق البناء والتطور نحو الأفضل فإذا سقطت الأخلاق وذهبت القيم صار الإنسان حيواناً سهل على المفسدين استغلاله والركوب عليه للوصول الى مآربهم.

لذلك فإن المثقفين العقلاء ومنذ أول مثقف عاقل على هذه الأرض يدعون أول ما يدعون إليه هو القيم والأخلاق ويحاربون كل من يدعو الإنسان ليكون حيواناً لأن انقلاب الإنسان الى حيوان سيجعل الأرض غابة السيادة فيها للأقوى والأشرس وعلى هذا الأساس قلنا في الجزء الأول من هذا المقال بأن ظاهرة الدعوة الى تحمير الإنسان العراقي دعوة مشبوهة ورائها أناس لهم إحدى الصفتين: إما أن يكونوا أدوات بيد المفسدين من أجل حيونة المجتمع حتى تسهل السيطرة عليه وجعله مركوباً يصلون به الى مآربهم وإما أن يكونوا مغفلين يدَّعون الثقافة والوطنية وهم لا يفقهون السنن التي ترقى بالمجتمع أو تهوي به وأياً كانت صفة هؤلاء فهم لا يقومون بوظيفة حسنة في المجتمع بل العكس هو الصحيح إنما يقومون بتدمير المجتمع وجعله لقمة سائغة لكل مفسد وظالم يفعل به ما يشاء.

وعلى هذا أدعو إخواني الكتاب والمثقفين ليقوموا بتحذير الناس من حيونة المجتمع وتوعية المواطن العراقي لما يراد له أن يكون وردّ كل دعوى حيوانية أو عربنجية تدعوه للهبوط الى مزابل الشعوب المتخلفة والعمل على السمو بالمواطن العراقي الى الأخلاق الفاضلة التي تجعله يبني ويزرع ويصنع وينبذ الظلم ويحارب الفساد ولا ينتمي الى حزب الحمير السياسية لأن الحمار يقاد وهو مهان ولا الى منظمة الديك لتزويج الأرامل لأن الديك يذبح في الولائم ولا الى مؤسسات الذئب أو الواوي أو الحصان أو أي مؤسسة أو حزب حيواني بل ندعوه لينتمي الى قيمه الإنسانية قيم العدل والمساواة ونصرة المظلوم وإعمار الأرض والرقي بالإنسان وتكريمه وصيانة عرضه والحفاظ على ماله ندعوه ليكون مبدعاً مبتكراً مثقفاً مؤدباً يحفظ حق الجار ويؤتمن على الأموال العامة، لا تخرج منه إلا كل فضيلة ويسمو بنفسه من أن يتدنى الى أخلاق المفسدين وينبذ كل شيء ينتمي للفساد سواء أكان ذلك كلمة أم تصرفاً حتى وإن كانت نظرة أو لفتة أو ابتسامة مفسدة وهذه دعوتي وأظنها دعوة كل المصلحين ولا أدّعي أنني منهم ولكن قولي كقول المصلح القديم الذي قال:

أحب الصالحين ولست منهم ... عسى الله أن يرزقني شفاعة



كتابات