.
الرجاءً
تسجيل الدخول
أو
الإشترك معنا
.
1 ساعة
1 يوم
1 أسبوع
1 شهر
غير محدد
تسجيل الدخول باسم المستخدم، كلمة المرور و الفترة الزمنية
الأخبار:
الرئيسية
تعليمات
بحث
دخول
تسجيل
»
منتديات آشور
»
المنبر الثقافي
»
حدياب التاريخ والحضارة: موقعها، ملوكها، دياناتها
« قبل
بعد »
طباعة
صفحات: [
1
]
للأسفل
المحرر
موضوع: حدياب التاريخ والحضارة: موقعها، ملوكها، دياناتها (زيارة 615 مرات)
Assyria
Administrator
ANA ASHUR Users
مشاركة: 13169
حدياب التاريخ والحضارة: موقعها، ملوكها، دياناتها
«
في:
آب 01, 2010, 01:16:53 »
حدياب التاريخ والحضارة: موقعها، ملوكها، دياناتها
باسم محمد حبيب
31-07-2010
المقدمة:
لم ينه سقوط الدولة الكلدانية في بابل عام 539 قبل الميلاد الدور الحضاري لبلاد وادي الرافدين فقد استمر هذا الدور فاعلاً ومؤثراً بطريقين: أولاً: بما انتقل الى ثقافات السلالات والقوى التي هيمنت سياسياً على بلاد وادي الرافدين وثانياً: بما أفرزه من تجليات ارتبطت بشكل خاص ومباشر بثقافة البلاد وسكانها الأصليين لا سيما تلك الحواضر المهمة التي قدر لها أن تديم العطاء الحضاري لبلاد الرافدين كالحضر وحدياب وميسان والحيرة، ولذلك اهتم المؤرخون كثيراً بدراسة تاريخ هذه الحواضر وبذلوا جهوداً كبيرة في كشف غموض تاريخها لكنهم لم يكونوا عادلين في التعاطي مع هذه الحواضر حيث لعبت الأيديولوجيا دوراً أساسياً في الإهتمام بحواضر معينة وإهمال أخرى ففيما كتب الكثير عن الحضر وميسان والحيرة تم تجاهل حدياب التي أخذ ينظر لها وكأنها حاضرة غريبة لا صلة لها بحضارة وادي الرافدين مع أن المعروف أن حضارة وادي الرافدين ليست حضارة عرقية ولم يساهم في تكوينها شعب بعينه بل هي نتاج شعوب عدة جمعها المكان الجغرافي حيث شعت بنورها على عموم منطقة الشرق الأدنى القديم وأصبحت منتجاتها الحضارية جزءاً من موروث الثقافات التي أعقبتها أو التي خرجت من رحمها، وبالتالي نأمل أن يكون هدف هذه الدراسة إذا كان لها من هدف محدد هو كسر القوالب الأيديولوجية المتبعة في دراسة التاريخ وإعادة الإعتبار لدور حدياب الحضاري كواحدة من المراكز الباقية للحضارة الرافدينية بكل ما يحمله هذا الدور من عمق وأصالة وعظمة، ومن أجل ذلك سنستعرض أولاً الجغرافية السياسية والحضارية لمملكة حدياب أي حدودها وجذورها الحضارية وأصول سكانها وأصل تسميتها ثم ننتقل لدراسة تاريخها السياسي مستعرضين الأدوار التي مرّ بها هذا التاريخ قبل أن ننهي بحثنا بدراسة دياناتها وإسهامها الحضاري، وختاماً لا بد لنا أن نشير الى شحة المصادر التي تناولت تاريخ مملكة حدياب فقد أطبق على المنطقة ظلام دامس بدءاً من سقوط الدولة الآشورية سنة 612 قبل الميلاد وكأن التاريخ قد أدار وجهه بعيداً عن هذه المنطقة ولم يتسن لهذا المنطقة أن تخرج من ذلك الظلام الى النور إلا خلال العصور الإسلامية، وإن ما نتمناه هو أن تحظ هذه المنطقة بعناية مؤرخينا فهي جزء أصيل من تاريخنا حتى نكون عادلين في التعاطي مع مجمل فتراته وحواضنه الحضارية ومن الله التوفيق .
المبحث الأول:
الجغرافية السياسية والحضارية لمملكة حدياب:
نشأت مملكة حدياب ضمن الإطار الجغرافي الذي كانت تحكم فيه دولة آشور أو ضمن الإطار الحضاري الذي اشتمل على الشق الشمالي من حضارة وادي الرافدين وعلى الرغم من أن مملكة حدياب لم تقف عند حدود معينة إلا أنها إجمالاً لم تخرج عن المنطقة الممتدة من المنطقة الجبلية العراقية شرقاً الى نهر الفرات غرباً وضمت في الغالب معظم المدن الآشورية القديمة فهي بمثابة دولة آشورية بوجه جديد لكن حدودها السياسية لم تكن ثابتة عموماً بل كانت تخضع للتطورات والأحداث السياسية فتارة تتقلص حدود الدولة حتى أسوار أربل وتارة أخرى تزداد لتشمل أجزاء من سوريا الشمالية وآسيا الصغرى أما إسم المملكة حدياب فهناك رأي يرى أنه إسم آرامي يقابله في المصادر الكلاسيكية إسم ( ادبابيتي ) وربما هذا الإسم مشتق من لفظة زاب لأن الزاب بالآرامية يلفظ بهيئة (دب ) فيكون معنى حدياب وادياً بين إقليم الزابين وإقليم آشور وقد أسماه الجغرافيون العرب باسم ( حدة ) التي لعلها مجمعة مع اختزال عن حدياب فيما يرى رأي آخر أن إسم حدياب مأخوذ من لفظة ( أديابين ) التي كانت تطلق على المنطقة في فترة من الفترات لكن هناك من يرى أن معنى حدياب بلاد الأكراد ويقابلها بالسريانية(الآشورية) ( بيت قراتواي ) وتشمل المنطقة الممتدة من الزاب الكبير الى الزاب الصغير وسلسلة بال زاجروس الموازية لنهر دجلة لكن مما يجدر ذكره أن إسم حدياب تلاشى بعد ذلك ولم يعد يطلق على هذه المنطقة الأمر الذي يشير الى أن هذا الإسم ذو دلالة سياسية وربما له علاقة بالسلالة الحاكمة أكثر من علاقته بالإطار الجغرافي أو الحضاري أو السكاني، أما عاصمة المملكة فقد اتفقت المصادر المختلفة على أنها مدينة أربل التي تعد من المدن القليلة التي يمتد عمرها الى عدة آلاف سنة وهي لفظة أكدية مكونة من مقطعين ( أربا إئيلو ) أي قلعة الآلهة التي حوّرت فيما بعد الى لفظة ( هولير ) فيما يرى البعض أن هذه اللفظة لا علاقة لها بتسمية أربيل وقد سكنت أربل مجموعات سكانية مختلفة من الآشوريين الكوتيين واللولبيين والحوريين والميتانيين وغيرهم لكن المدينة بقيت تحمل بصمات الحضارة الرافدينية بشطرها الآشوري .
إن نشوء مملكة حدياب جاء نتيجة للسياسة العامة للإمبراطورية الفرثية ( 140 قبل الميلاد الى 226 م ) التي تعطي للأقاليم حريات واسعة في إدارة شؤونها الداخلية وتسمح لها بممارسة نوع من الإستقلال ضمن محيطها الجغرافي بما لا يتناقض مع السياسة العامة للإمبراطورية فهي بالتالي نتاج الطبيعة العامة للنظام السياسي الفرثي لكن مملكة حدياب رغم انتمائها للإمبراطورية الفرثية مثلت وبحق وريثاً أصيلاً لحضارة المنطقة وبالذات حضارة الآشوريين التي شكلت وعلى مدى ألفي سنة الشق الثاني في تركيبة حضارة وادي الرافدين إلا أن سقوط الإمبراطورية الآشورية سنة 612 قبل الميلاد قد خلق فراغاً سياسياً لم يستطع البابليون ملئه خلال حكم سلالتهم الأخيرة لأنهم تواروا بعد ذلك بفترة قليلة إلا أن ذلك ينطبق على الجانب السياسي فقد بقيت حضارة وادي الرافدين بشقها الآشوري قائمة لقرون عديدة لاحقة بل أن نظم الدولة الأخمينية التي ألفها العنصر الفارسي هي نظم موروثة من الدولتين الآشورية والبابلية وقد تولى أفراد آشوريون مناصب رفيعة في الدولة الأخمينية وبلغ أحدهم منصب أمين سر قمبيز عندما كان ولياً للعهد خلال حكم أبيه كورش وبالتالي نستطيع أن نؤكد غلبة العنصر الرافديني أو الآشوري ضمن نسيج العناصر السكانية للمنطقة التي تتألف أيضاً من عناصر سكانية تمثل مزيجاً من أجناس بعضها جاء الى المنطقة بفعل الغزوات الآشورية وبعضها الآخر جاء بعد سقوط الإمبراطورية الآشورية عندما تلاشت السلطة السياسية الحامية الأمر الذي قد يجعل من المنطقة الآشورية إحدى المناطق التي تمتاز بتنوع عرقي كثيف لكن بهيمنة واضحة لثقافة البلاد الأصلية أما الواقع الإقتصادي للمنطقة فلكونها وفيرة المياه وذات تربة خصبة فقد أصبحت ملائمة للإنتاج الزراعي الذي مثل الحرفة الرئيسية للسكان الى جانب الحرف الأخرى التي تنطلق من إرثهم الحضاري وعقليتهم المدنية العريقة .
المبحث الثاني:
نبذة عن التاريخ السياسي:
يكتنف التاريخ السياسي لمملكة حدياب الكثير من الغموض بسبب ندرة الكتابات التي تتناول عصر المملكة بل وينصرف ذلك على العصر الفرثي بشكل عام الذي لا تتعدى مصادرنا عنه بعض الكتابات المسمارية التي بقي استخدامها قائماً الى القرن الأول الميلادي هذا علاوة على المعلومات التي توردها المصادر اليونانية والرومانية والمعلومات المستقاة من علم الآثار وبشكل خاص المصكوكات بالإضافة الى المصادر العربية والفارسية التي تتسم غالباً بالسمة الأسطورية لذلك لا نعرف الكثير عن كيفية نشوء مملكة حدياب ولا عن الكثير من فترات تاريخها وكل ما نعرفه أن فترة بروزها واكب استقرار الأمور لصالح الدولة الفرثية بعد انتصارهم الكاسح على السلوقيين خلال الفترة من 140 الى 126 قبل الميلاد لكن يبدو أن نفوذ ملوك حدياب لم يكن قوياً أو أنه لم يبلغ مرتبة الإستقرار إلا في بداية العهد المسيحي عندما حكم ثلاث ملوك يحملون إسم حدياب قام أولهم بمساعدة ملك الفرثيين أردوان ( 12 – 38 م ) على استعادة عرشه بعد أن نازعه عليه بعض الأمراء المناوئين الأمر الذي دعا الملك الفرثي الى السماح له بلبس التاج ومنحه حكم أرمينيا ونصيبين إضافة الى حدياب أي أن نفوذ مملكة حدياب قد شمل مساحات واسعة من ثلاث دول معاصرة (العراق وسوريا وآسيا الصغرى) ثم تبع ذلك مرحلة توسع أخرى قادها أحد الملوك الثلاث وقد حكم حسب بعض الآراء بين عامي ( 36 – 60 م ) إذ استهدف توسيع حكمه في شمال العراق بعد أن نافسته زعامة الحضر وقد نجح هذا الملك من الإنتصار على الحضر في مدينة آراسميس التي يعتقد أنها إحدى المدن التابعة لدولة الحضر مما اضطر ملكها أبيا (أبياس) الى الإنتحار برمي نفسه من حصن المدينة حتى لا يقع في الأسر ونظراً لقوة هذا الملك أو الملوك الذين حملوا إسم إيزاد و ما حققوه من إنجازات كانت غائبة في العهود السابقة فقد أصبحت لهم منزلة عالية في نفوس الناس وربما دعاهم الى تقديسهم وهو ما سنتناوله في موضوع الديانة في المبحث الثالث ورغم قوة المملكة إلا أنها لم تخرج عن كونها إقليماً تابعا لمملكة الفرثيين في بلاد الرافدين وإيران الأمر الذي دعا بعض ملوكها الى محاولة مقاومة هذه السيطرة ما استطاعوا الى ذلك سبيلاً وخير دليل على ذلك تبنيهم لديانة غير ديانة السلطة الفرثية مع أن هذا الأمر لا يتنافى مع السياسة العامة للإمبراطورية لأن الإمبراطورية كانت من النمط العلماني الذي يفصل الدين عن السياسة فبحسب روايات المؤرخ اليهودي يوسفوس فلافيوس أن اليهودية قد تغلغلت في منطقة آشور القديمة وأن بعض ملوك حدياب قد دخلوا في اليهودية ويبدو أن انتشار اليهودية قد جاء نتيجة الإحتكاك بين مملكتي ميسان وحدياب مما يدل على وجود علاقات ثقافية واجتماعية واقتصادية بين المملكتين وقد وقف ملوك حدياب الى جانب اليهود في ثوراتهم المستمرة ضد الرومان في فلسطين وقدموا لهم مساعدات مادية مختلفة كما هو الحال عندما أرسلت هيلانة والدة الأمير إيزاد كمية كبيرة من القمح الى أورشليم لإنقاذ أهلها من المجاعة وقد عرفت هذه الأميرة الحديابية بتدينها وتعصبها لملتها إذ يرجح أنها دفنت في فلسطين ولا يعرف كيف تم ذلك بسبب العداء بين حدياب ورعاتها الفرثيين من جانب والرومان من الجانب الآخر لكن يحتمل أن الأمر حصل خلال فترة من فترات السلام القليلة بين الدولتين إذ بقي ملوك حدياب يشكلون خصماً في نظر الرومان وتدخلهم في شؤون الجالية اليهودية داخل حدود الإمبراطورية الرومانية يغيظ الرومان كثيراً ويلقى بلا شك إستحسان الأوساط الفرثية الحاكمة وربما حصل الحيديابيون على فوائد سياسية من ذلك إلا أن اليهودية لم تستقر كديانة رئيسية في حدياب على الرغم من اعتناقها من قبل الأسرة الحاكمة وحاشيتها المقربة لأن الصراع الفرثي الروماني جلب معه ديانة أخرى هي الديانة المسيحية ويبدو أن للعامل السياسي دور في تغلغل هذه الديانة في مملكة حدياب إضافة الى القرب الجغرافي من سوريا موطن الديانة المسيحية ويبدو أن بعض أمراء حدياب قد دانوا بالمسيحية وهو ما لم ينكره الفرثيون لأن المسيحية ما زالت ديانة مضطهدة عند الرومان وقد نظر الفرثيون الى الطائفة المسيحية على أنها طائفة صديقة بحكم العداء الذي يجمعهم ضد روما ما يعني أن المسيحية قد حازت الأرجحية خلال تلك الفترة مع أن اليهودية لم تتلاش من الوسط الحديابي بدليل بقائها ديانة بارزة من جملة الديانات الكثيرة التي يدين بها سكان المنطقة ويبدو أن مملكة حدياب حافظت على ولائها للحكم الفرثي عندما شن تراجان حملته الشهيرة على بلاد الرافدين سنة 117م والتي كادت تذهب بحكم الفرثيين في العراق لولا وفاة تراجان واضطرار خلفه هادريان الى الإنسحاب تحت وطأة الضغط الفرثي ولقد عانت حدياب من هذا الغزو معانات كبيرة وتعرضت للتخريب حالها حال المناطق العراقية الأخرى إلا أنها وبعد انتهاء الغزو استعادت حيويتها بسرعة لذا بقي نفوذ مملكة حدياب قائماً لسنوات أخرى لاحقة ولم تبق العلاقات على حالها بين ملوك حدياب وملوك الفرثيين إذ أن كل طرف كان ينظر الى الأمر من منظار مصالحه السياسية وقد رأى الحديابيون في ضعف الدولة الفرثية الذي بدأت علائمه تلوح بالأفق منذ بداية القرن الثاني فرصة للخلاص من وطأة الحكم الأجنبي ونيل الإستقلال المنشود حيث استغل أحد أمرائهم المتأخرين واسمه نرساي ( 170 – 200 م ) تصميم الأمبراطور ستمبيوس سفيروس على ضرب الحكم الفرثي ليضع نفسه في خدمته لكن الأمر لم يسر كما خطط له نرساي لأن سفيروس الذي حقق الإنتصار على الفرثيين واقتحم العاصمة طيسفون سنة 195م هزم في النهاية مما اضطر الرومان الى الإنسحاب من بلاد الرافدين بعد أن تعرضت قواتهم لخسائر كبيرة الأمر الذي أخلى سبيل الفرثيين ليبدأوا بتصفية الحساب مع أتباعهم الذين ظاهروا الغازي الروماني وكان نرساي من جملتهم حيث هاجمه الفرثيون وأطاحوا بعرشه واستباحوا الكثير من مدنه ويبدو أن هذه الغزوة كانت ذات نتائج سلبية على مملكة حدياب التي تعرضت للإذلال وتقلص كثيراً نفوذها السياسي حتى تلاشت في النهاية ويبدو أن العلاقات الفرثية الحديابية تحسنت بعض الشيء في بداية القرن الثالث حتى أنهم قاوموا الحملات الرومانية التالية مستفيدين من درس الغزوة السابقة فتعرضت بلادهم للتخريب ولكن الفرثيين طردوا الرومان وعاد الحكم الحديابي مرة أخرى إلا أن قوة جديدة برزت على السطح آنذاك تمثلت بقوة الفرس الساسانيين الذين أطاحوا بحكم الفرثيين سنة 226م وحلوا محلهم ويبدو أن مملكة حدياب بقيت على ولائها للفرثيين مما جعلها هدفاً لانتقام الساسانيين الذين أطاحوا باستقلالها النسبي وعينوا أميراً من الأسرة الحاكمة الساسانية وهو أردشير حاكماَ على حدياب مما يعني بقاء أهميتها السياسية الكبيرة لدى الحكام الجدد .
قائمة ترجيحية لملوك حدياب:
1 - Izates I c. 15 AD
2 - Bazeus Monobazus I 20?–30
3 - Heleni c. 30–58
4 - Izates II bar Monobazus c. 34–58
5 - Vologases (a Parthian rebel opposing Izates II) c. 50
6 - Monobazus II bar Monobazus 58 – middle of the 70s
7 - Meharaspes (?–116) To the Roman Empire 116–117
8 - Narsai of Adiabene c. 170–200
9 - unknown 200 – c. 310
10 - Aphraates (c. 310) to the Sassanid Empire 226–649
المبحث الثالث:
ديانات حدياب وحضارتها:
لم تختف الحضارة الرافدينية ( الفرع الآشوري ) بسقوط الدولة الآشورية على يد البابليين عام 612 قبل الميلاد بل استمرت هذه الحضارة تقاوم عوامل الفناء لقرون أخرى لاحقة وخير دليل على ذلك بقاء عبادة الآلهة الرافدينية آشور وشيرو وعشتار ونانيا وبيل ونابو ونركال الى القرن الثالث الميلادي إلا أن بقاء هذه الديانة لا يعني أنها ما زالت ديانة سائدة إذ نافستها ديانات أخرى أبرزها الديانة الزرادشتية ديانة الإمبراطوريات الحاكمة في بلاد الرافدين والديانة اليهودية التي يدين بها أفراد الجالية اليهودية في شمال العراق والذين تم سبيهم من موطنهم في فلسطين خلال العهد الآشوري إلا أن أياً من هاتين الديانتين لم يشكل منافساً حقيقياً للديانة الرافدينية لأن سكان المنطقة عزفوا عن الدخول في الديانة الزرادشتية كونها ديانة السلطة الأجنبية الحاكمة فيما لم تنتشر الديانة اليهودية بسبب طابعها غير التبشيري إلا أن تطوراً مهماً حصل خلال العقود الأولى من العهد المسيحي حينما اعتنق أمير حدياب الديانة اليهودية وقد أبان المؤرخ الروماني اليهودي الأصل فلافوس جوزيفوس عن أن هذا الأمر تم بعد التقاء ولي العهد الحديابي إيزاد بأحد تجار ميسان(ميشان) ومن ثم وبعد تولي هذا الأمير السلطة في حدياب جعل اليهودية ديناً رسمياً للإمارة ويبدو أن هذه الديانة لم تقتصر على السلالة الحاكمة بل تعدتها الى جزء كبير من شعب حدياب فقد أشير الى أن مجموعات كبيرة من الأمراء والأهالي الأصليين لمملكة حدياب ومدينة أربل اعتنقوا الديانة اليهودية لكن سيادة الديانة اليهودية على حدياب لم تستمر إلا وقتاً قصيراً ما بين 50 الى 100 سنة حيث بدأت ديانة جديدة بالإنزياح الى المجتمع الحديابي وهي الديانة المسيحية التي اختلفت الروايات حول زمن وطريقة انتشارها وبحسب المؤرخ يوسابيوس القيصري فإن ( مار أداي ) هو المبادر الى ذلك إلا أن هناك نظرية أخرى ترى أن تلميذي أداي وهما أجاي وماري هما اللذان تكلفا بذلك بعد أن بشرا بها في مدينة أربيل وفي كتاب يسمى ( تاريخ أربيل ) يعود الى القرن السادس الميلادي يرد ذكر أن أداي نفسه قد رسم الأسقف الأول في حدياب وهو رجل إسمه ( بقيذا ) سنة 104 م بعد أن كان زرادشتياً حيث اهتدى بعد أن رأى مار أداي القادم من الرها وهو يعمل المعجزات بإحياء الأموات وتمضي إحدى الروايات بعيداً عندما تعد انتشار المسيحية نتيجة لإيمان أحد الأمراء الحديابيين وهو أيزاد الحديابي سنة 59م ويبدو إذا ما صحت هذه الرواية أن هذا الأمير غير الأمير الحديابي الذي اعتنق اليهودية على الرغم من تشابه الإسم إذ أن هناك أكثر من أمير حمل إسم أيزاد وقد بالغت إحدى الروايات بوصف الطريقة التي اعتنق بها الأمير المسيحية حيث نسبت ذلك الى معجزات مار أداي الذي شفى الملك من داء الجرب ومن خلع يده اليسرى وبعد أن رأى زرادش قائد الجيش ذلك اعترته الدهشة والإنذهال وطلب من مار أداي شفاء إبنه الوحيد المدعو دادي الممسوح بروح نجسة فبرأه منها وبهذه المعجزات وغيرها كما تصف الرواية آمن الملك وقائد جيشه والأشراف وكثير من أبناء أربيل .
وعلى ما يرجح فإن مصدر هذه الروايات هي الأروقة الشعبية الأمر الذي يفسر احتوائها على عنصر المبالغة وكما أشرنا في السطور الماضية فإن المسيحية حققت نجاحات كثيرة في حدياب حتى بلغت مرتبة الأسقفية حيث حاز بقيذا على كرسيها من سنة 104 الى سنة 114م وبعد فراغ كرسي الأسقفية لستة سنوات بسبب الحرب ودخول الرومان الى حدياب في عهد تراجان سنة 117م عين شيشرون أسقفاً سنة 120م وبقي في الأسقفية الى سنة 123م حيث قتل على يد طائفة المجوس فاعتبر أول شهداء المسيحية في حدياب ثم تولى إسحاق وظيفة الأسقف فكان أهم عمل ينسب له تدريسه ل (رقبخت) حاكم حدياب وكذلك عمده خفية خوفاً من ملك الفرثيين ولغش الثاني، الأمر الذي أغضب المجوس وجعلهم يهمون بقتل الأسقف لولا أن سارع حاكم حدياب الى إنقاذه ومن أعماله أيضاً بناء كنيسة في حدياب عرفت باسمه توفي سنة 148م وبعده جاء إبراهيم وهو من مواليد بلدة حردا القريبة من الموصل حيث أخذ يجول في الجبال مبشراً بالمسيحية وذهب الى المدائن لكسب تعاطف الفرثيين لإخوانه في العقيدة إلا أن جهوده باءت بالفشل بعد قدوم الرومان ومحاصرتهم للمدائن سنة 165م بقيادة لوقيوس واروس ثم مات قي نفس السنة من إثر وباء داهم بلدته حيث خلفه نوح وهو من أهالي بلدة الأنبار وهو من الذين حجوا الى أورشليم حيث قام بذلك مع أبويه قبل توليه منصب الأسقفية وقد قاسى السجن خمس مرات وجلد 12 مرة من أجل عقيدته الأمر الذي جعل ذكراه حية في نفوس الناس الذين نقلوا عنه الكثير من المعجزات توفي سنة 181م وبعد وفاته بنى الأهالي فوق ضريحه كنيسة سميت باسمه وفرغ كرسي الأسقفية مرة أخرى وفي عام 185م إنتخب هابيل(هاول) أسقفاً على حدياب واشتهر بالوداعة ولين العريكة وفي وقته هاجم ولجش الرابع مدينة حدياب للإنتقام من ملكها نرساي الذي مالئ الروم مما أدى الى تعرض حدياب الى التخريب على يد ذلك الملك.
بعد هابيل(هاول) جاء عبد المسيح الذي تنصر بعد رحلة الى أنطاكية ودمشق وهو من أطول من تولى الأبرشية في حدياب حيث بقي في كرسيها 35 سنة وقيل 25 ومن أعماله بناءه العديد من الأديرة والكنائس وجاء بعده حيران الذي سقطت في عهده دولة الفرثيين حيث عاصر بدايات العهد الساساني الذي أطاح باستقلال حدياب وبعد وفاته سنة 258م تولى شحلوفا وهو من مواليد بلدة تقع بين العمادية والموصل كرسي الأسقفية في حدياب وعرف بمواقفه لنصرة أخوانه المسيحيين في تل تباحا والمدائن أما دابوري فهو إبن أحد كهنة أربيل زار المدائن لنصرة مسيحييها وعين عليهم (فافا) الذي يعد أول جاثليق مسيحي يتولى كرسي المدائن مما يعطي لحدياب أهمية كبيرة في مسار تاريخ المسيحية في العراق ويضع أساقفتها في مقدمة الأساقفة المثابرين والمضحين من أجل العقيدة ثم جاء شريعا الذي حاول الوقوف بوجه ادعاءات فافا بالزعامة على كل أساقفة المشرق وقد أيده في ذلك الإكليروس والشعب والكثير من أساقفة المشرق إلا أن فافا راسل سعد أسقف الرها (313 – 324م) وأساقفة المغرب فحبذوا طلبه وساندوه الأمر الذي أحبط مساعي شريعا ثم استمر توسع الديانة المسيحية حتى عدت أبرز ديانة في شمال العراق خلال العهد الساساني كذلك ظهر دين آخر في هذه المنطقة وهو الدين اليزيدي الذي حمل عناصر من جملة الديانات التي تتواجد في منطقة حدياب وربما يمثل محاولة لإنتاج دين يجمع جميع الخلفيات الدينية للدولة ومن المحتمل أن هذا الدين قد ارتبط باسم الملك أيزاد ربما أيزاد اليهودي أو ملك آخر سبقه إذ لا نمتلك تسلسلاً واضحاً لملوك حدياب وفي عهد هذا الملك بلغت مملكة حدياب أقصى اتساعها الأمر الذي دفع الناس الى تقديسه وربما اعتبر بسب ذلك من الأولياء .
أما حضارة المنطقة الآشورية في عهد مملكة حدياب فقد كانت بارزة ومؤثرة ومن أبرز ما يحسب لهذه الحضارة تأثيرها الكبير في الحضارتين اليونانية والرومانية فمن بين الكتاب الذين نقلوا التراث الرافديني ( لوقيانس السمسياطي ) الذي يعرف نفسه كآشوري غير فصيح اللسان مرتدياً سترة منسوجة تقريباً على الطراز الآشوري و (بامبليخوس) السرياني من أهل القرن الثاني الميلادي الذي كتب رواية مدونة عن بابل أما ( طيطيانوس ) فيشير صراحة الى أصله الآشوري عندما قال عن نفسه أنه "يتفلسف بأسلوب البرابرة مولود في أرض الآشوريين حيث تثقف أولاً على مبادئهم (أي مبادئ الإغريق) ثم أصرخ أنا الآن أرفض الحضارة الإغريقية لأنها شيء غير جدير بالإقتناء" ومن التأثيرات التي يشار إليها أن للآشوريين يد فيها تسلل عقيدة الثالوث المقدس الى الديانة المسيحية حيث يشار الى أن هذه العقيدة لم تدخل اللاهوت المسيحي قبل القرن الثالث الميلادي حيث كان البابا ديونيسيوس بابا روما مندهشاً بفكرة الأقانيم الثلاثة المقترحة من قبل أورجينس وهنا يبرز السؤال: من أين أتى أورجينس بهذه الفكرة ؟ إن معلمه كما هو معروف هو كليمنسن الإسكندري الذي بدوره تتلمذ على يد طيطيانوس آنف الذكر والذي قلنا أنه من أصل آشوري على أننا لا نعلم على وجه اليقين من أي بلدة من بلاد آشور جاء طيطيانوس ؟ وهل هو من أبناء منطقة آشور ؟ أم من قاطني سوريا إلا أننا نعلم انه آشوري وأنه ينتمي الى التقليد الديني الذي كانت فيه أفكار الثالوث متداولة ومعروفة لعدة قرون .
قائمة بأسماء أساقفة حدياب:
• Pkidha 104-114
• Semsoun 120-123
• Isaac 135-148
• Abraham 148-163
• Noh 163-179
• Habel 183-190
• Abedmshiha 190-225
• Hiran 225-258
• Saloupha 258-273
• Ahadabuhi 273-291
• Sri'a 291-317
• Yohannan 317-346
• Abraham 346-347
• Maran-zkha 347-376
• Soubhalisho 376-407
• Daniel 407-431
• Rhima 431-450
• Abbousta 450-499
• Joseph 499-511
• Huana 511-???
الخاتمة:
والآن وبعد أن اكتمل بحثنا عن حدياب لا بد أن نعرف أهم النتائج التي خرجنا بها عن هذه المملكة ودورها الحضاري خلال فترة بروزها السياسي خلال القرنين الأول والثاني الميلاديين .
إن أهم النتائج التي خرج بها البحث هي ما يلي :
(1) أن المنطقة الآشورية استعادت شيئاً من بريقها السياسي السابق من خلال دولة حدياب التي كانت تتمتع باستقلال ذاتي ضمن حدود الإمبراطورية الفرثية .
(2) مثلت حدياب أول دولة عراقية تعتنق اليهودية وتجعلها دينها الرسمي في وقت كانت فيه اليهودية تتعرض للضغط الروماني .
(3) كانت حدياب من أولى المناطق العراقية التي تستقبل التبشير المسيحي وكان لها دور في نشر الديانة المسيحية في العراق قبل العهد الإسلامي .
(4) بقيت الحضارة الرافيدينية بشقها الآشوري مصدر إشعاع حضاري كبير للغرب والشرق معاً .
(5) لم ينته دور المنطقة الآشورية بسقوط حدياب على يد الساسانيين مثلما لم يحصل ذلك في العهد الآشوري الذي شهد سقوط الدولة الآشورية عام 612 قبل الميلاد .
المصادر:
1- أحمد قوشجو أوغلو: جولة في ديار التركمان، مقالة منشورة في موسوعة تركمان العراق على الموقع الإلكتروني :
www.alturkmani.com
2- ريبر جعفر: تاريخ الكرد القديم ، ص 30، مقالة منشورة على الموقع الإلكتروني :
http//ar.wikipedid.org/wiki
3- عبد العزيز عبد الأحد نباتي: تاريخ عنكاوة (أربيل: مطبعة صلاح الدين - 2000).
4- آرثر كريستنسن: إيران في عهد الساسانيين، ترجمة يحيى الخشاب و عبد الوهاب عزام ( بيروت - 1982).
5- سيمو بار بولا: الآشوريون بعد سقوط آشور، ترجمة: زكريا نينوايا، بحث مقدم الى المؤتمر القومي الآشوري في لوس أنجلوس 04 أيلول 1999م .
6- جواد مطر الموسوي: الأحوال العسكرية في الحضر قبل الإسلام ، مجلة الآداب الصادرة عن كلية الآداب / جامعة بغداد، العدد (71) 2005 .
7- جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ج 03.
8- يوسف رزق غنيمة: نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق (مع ملحق) (لندن: دار الوراق - 1997).
9- نقلاً عن مقالة منشورة في مجلة كلمة الراعي الصادرة عن أبرشية جبيل والبترون للروم الأرثوذوكس، الأحد 18 أيار 2003، العدد (20).
10- نقلاً عن المصدر الإلكتروني :
http://en.wikipedia.org/wiki/Adiabene
11- الموقع الإلكتروني :
http://www.jerusalempedia.com/Tombs_of_the_Kings.html
12- فؤاد يوسف قزانجي: المسيحيون في العراق، مقالة منشورة على الموقع الإلكتروني التالي :
www.zenit.org
13- الأب فيليس الشابي: تاريخ كنيسة المشرق الكلدانية القرون من 1 الى 4 جزء 2 نقلاً عن موقع مجتمعنا الكلداني الإلكتروني :
www.keldaya.net
14- نقلاً عن موقع مطرانية السريان في حلب على الموقع الإلكتروني : syrcata.org / insex.php
15- نقلاً عن مقالة منشورة على الموقع الإلكتروني التالي :
www.betnahrain.net/arabic/history/fall
16- أخذت المعلومات من الموقع الإلكتروني :
http://www.nestorian.org/bishops_of_adiabene.html
إيلاف
سجل
طباعة
صفحات: [
1
]
للأعلى
« قبل
بعد »
»
منتديات آشور
»
المنبر الثقافي
»
حدياب التاريخ والحضارة: موقعها، ملوكها، دياناتها