سرجون الأكدي ... سرجون العظيم
عدنان العمري
04-12-2011
هذا العملاق الذي تهابه وتخافه حتى كتب الأمم والشعوب عندما تخط أحرف اسمه ... هذا القائد الذي حاول تاريخ العالم بأجمعه إخفاء حقيقته خوفاً من تاريخه الذي هزّ عروش ممالك العالم ... هذا الذي ظلمه التاريخ ولم يذكر عنه إلا الشيء اليسير ... لكن ما يخرج من باطن أرض الحضارات لهو الدليل القاطع الذي يخرس الألسن ويرمي بكل تواريخ الأرض بكتبها وتزويرها عرض الحائط ... وبما ان الحفريات هي بالنسبة للعصور الحضارية جديدة والتي لا تتعدى ال150 سنة وفي تطور مستمر واكتشافات جديدة، وبما أنه الى الآن خرج أو اكتشف الشيء البسيط بالنسبة لحضارة عظيمة مثل حضارة العراق فإن ما هو موجود وما سيخرج فهو إعصار يقلع كل شيء أمامه ...
الكل يسمع ويكاعد يعرف الإسكندر المقدوني هذا القائد الإغريقي صاحب الأمبراطورية الكبيرة وتكاد كتب التاريخ القديم لا تخلو منه ... والكل يمجده ويثني عليه ... لكن للمعلومة ان أمبراطورية سرجون الأكدي كانت أكبر وأقوى من أمبراطورية الإسكندر وقد سبقتها بقرون عديدة ... إذاً لماذا لا يذكر كما يذكر الإسكندر؟ أم لأنه ليس إغريقي؟ لكن رغم كل شي يبقى هذا الوطن المعطاء رمزاً ونوراً ومنجم للرجال والإبداع الذي لا ينضب أبداً ... هؤلاء الرجال الذين جعلوا من أسمائهم نوراً وعلماً وكتبوا أسمائهم بأحرف من ذهب في تاريخ البشرية شاءت أم أبت ...
كشف في نصّ مسماري آشوري وصف فيه كيفية ولادة سرجون كما ورد على لسانه هو والحقيقة قصته تشبه نوعاً ما قصة ولادة النبي موسى ... يقول فيه: أنا سرجون، الملك العظيم، ملك أكد ... كانت أمي كاهنة عليا(يعتقد ان أمه حملت به سراً وكان لا يسمح للكاهنات الإنجاب)، مدينتي هي آزوفيرانو (وهي مدينة الزعفران على الفرات ) حملت أمي بي ووضعتني سراً وأخفتني في سلة مقيرة (القير هو الزفت السائل) من الحلفاء وغطتني ورمتني في الماء، فلم يغرقني النهر بل حملني الى آكي سقاء الماء فانتشلني آكي بدلوه وربّاني واتخذني ولداً وعينني بستانياً عنده وبينما كنت أعمل بستانياً أحبتني الآلهة عشتار فتوليت الملوكية .
في أواخر عصر دول المدن السومرية المجزأة ظهرت حركة من وسط السهل الرسوبي غيرت مجريات الأحداث التي انحصرت طوال عصر فجر السلالات وهي مدن أو دول صغيرة متصارعة والتي كانت تدعى ببلاد سومر ... وقاد هذه الحركة أو الثورة شاب ضابط إسمه سرجون ومعناه "الملك الحق" أو "الملك الصادق" وجاءت تسمية القوم بالأكديين نسبة الى مدينة أكد التي بناها وأسسها ومؤسس السلالة الأكدية "سرجون العظيم" واتخذها عاصمة لأمبراطوريته، ولم يكتف سرجون والذي حكم 55 عاماً بالسيطرة على المدن السومرية فحسب بل على كامل حوض دجلة والفرات محققاً بذلك ولأول مرة وحدة بلاد وادي الرافدين كما تابع فتوحاته الى البلدان المجاورة وما تلاها ليكوّن الأمبراطورية الأكدية والتي امتدت من جنوب شرق آسيا شرقاً بما فيها الهند الى كافة دول غرب العراق بما فيها مصر والدول الغربية وكافة حوض البحر المتوسط ولذلك يعتبر سرجون الأكدي من أوائل الفاتحين في التاريخ وأمبراطوريته أول أمبراطوريه عرفتها البشرية على مدى تاريخها .
بدأ سرجون حياته في مدينة كيش وكان مقرب من ملكها (أور زبابا) وساقياً في بلاطه، أما ظروف وصوله الى الحكم في كيش فهي غير معروفة تاريخياً ولكن بشكل ما استطاع حامل الكأس الملكي هذا الإطاحة بسيده وهجم على أوروك (الوركاء) حيث كان ملكها لوكال زاكيري هو السيد الأعلى لبلاد سومر فألحق به هزيمة نكراء وألقى القبض عليه وجلبه الى كيش مقيداً وعرضه في قفص على أعين الناس على مشارف معبد الإله أنليل في "نفر" .
إستمر سرجون معاركه الظافرة مع دول المدن السومرية على طريق توحيد بلاد سومر وأكد ومن ثم بناء الدولة الوطنية الموحدة وقد انتصر سرجون الأكدي في أربع وثلاثين معركة على المدن الممتدة على حافة البحر المتوسط ومن ضمنها مصر والتي كانت تسمى حينها مزر وهدم أسوار جميع المدن ويرى الباحثون ان وصول الأكديين الى الحكم كان نتيجة رد فعل ضد الإضطهادات الوحشية التي كان يمارسها الملك لوكال زاكيري ملك سومر "ملك الوركاء" الذي فرض حكماً بقبضة من حديد على بلاد الرافدين خلال ربع قرن وانتهى الحكم الإستبدادي على يد قائدنا الذي نحن الآن في صدده وعصره (عصر سرجون) كان بداية لعصر الدولة الأكدية وزوال دول المدن السومرية (عصر فجر السلالات) حيث ظهر في هذا العصر تطبيق النظام المركزي وظهور أول دولة موحدة تضم جميع بلاد الرافدين .
إعتمد سرجون على القوات الأكدية في تكوين نخبته العسكرية كذلك برزت اللغة الأكدية كلغة رسمية للبلاد، رغم أنه كان يولي احتراماً للغة السومرية ومؤسساتها الدينية ... سقطت الأمبراطورية الأكدية بعد ان استمرت 200 عاماً وبعد موت سرجون وضعف الدولة وكثرة النزاعات الداخلية والحقد الدفين على هذه الأمبراطورية من قبل شعوب الأرض (العالم القديم حينها) فسقطت على يد الكوتيين وهم أقوام جبال زاكروس المتاخمة لحدود العراق الشمالية الشرقية ولا يعرف عن أصلهم ولغتهم شيء يذكر وهم من الأقوام الهمجية الوحشية حيث استمرت سيطرتهم بحدود قرن واتصفت فترتهم بالظلام الحضاري وعدم الإستقرار السياسي وتعتبر هذه أول فترة مظلمة في تاريخ بلاد الرافدين .
كل ما تقدم يكاد يكون معروفاً للمتتبعين في هذا المجال، لكني أود ان أكتب هنا عن نتائج بعض البحوث والإكتشافات التي قام بها عالم الآثار(أ. وادل) والتي تعتبر من النتائج التي هزت العالم وأوردها بشكل مختصر لكي يتسنى للقارئ الكريم معرفة من هو سرجون الأكدي :
كان يسمى سرجون العظيم وكذلك Gin وهو والد "منس" أبو الفراعنة في مصر وأول فرعون مصري والذي كان يطلق على نفسه "ملك أربع جهات العالم" وآثار أمبراطوريته الكبيرة الممتدة من وادي السند شرقاً الى الجزر البريطانية غرباً وتعتبر أمبراطوريته أكبر من أمبراطورية الإسكندر المقدوني أو الأمبراطورية الرومانية وقد جعله ذلك جديراً بأن يلقب نفسه أمبراطور العالم حيث كان كذلك بالفعل ومن خلال فتوحاته وهذه التوسعات تمكن من نشر الحضارة السومرية بسرعة لكافة دول العالم القديم، وهذا كان الأساس في بناء حضاراتهم فيما بعد وكانت النتيجة الحضارة الرومانية والإغريقية والمصرية ... (هذه جميعها نتائج عالم الآثار أ. وادل) .
ويكمل: ومن ضمن فتوحاته للغرب فتحه أو إعادة فتح مصر وضمها الى أمبراطوريته الكبيرة، وكذلك تقدم نحو غرب العالم وصولاً الى مناجم القصدير البريطانية ما وراء البحر المتوسط ووجدت نقوشاته وأختامه هناك وبعض كتاباته مرة باسم سرجون ومرة باسم ملك الأرض ومرة باسم Gin وجميعاً بلغة واحدة ولشخص واحد وختم واحد وتوضح الكتابات المكتشفة أنه سيطر على مناجم القصدير هناك في كورنوول وله الفضل في دخول بريطانيا العصر البرونزي بعد وصوله الى هذه المناجم وإدخال البرونز الى بريطانيا .
ويشير العالم (أ. وادل) على ان سرجون هو الفرعون الأول ما قبل السلالات الفرعونية المصرية وابنه منس هو الذي أسس السلالات الفرعونية وتوجد نقوشه وكتاباته في مدينة أبيدوس وحتى قبره هناك وكان وقتها يطلق على مصر إسم مزر وكان يعتبرها مدينة من مدن أمبراطوريته العظيمة ويشير عالم الآثار أز وادل بأن نقوشه وكتاباته وجدت حتى في الهند وبنفس اللقب أي ملك الأرض وأمبراطور العالم .
إختار مكان إقامته الأخيرة قبيل موته وأوصى بدفنه في المقبرة الملكية التي بناها في مصر ... وبالفعل تم العثور على قبره هناك وقبر ملكته ... (هذا جزء بسيط لما توصل إليه هذا العالم)وهذه كانت مقتطفات من حياة هذا العظيم .