المحرر موضوع: العصاب .. والتربية  (زيارة 484 مرات)

غير متصل كاجو كاجو

  • سهـدونا نشيـط
  • **
  • مشاركة: 21
العصاب .. والتربية
« في: أêار 08, 2009, 01:04:34 »
العصاب ... والتربية

كيف ينشأ العصاب ؟

(( الرغبة الطبيعية لكل طفل ـ يقول بيير داكو ـ هي أن يجد سعادته وتوازنه وأمنه )) فكيف يتحقق ذلك ضمن أسرة لا تفهم أو تتفهم هذه الدوافع الحيوية ، ولا تقيم وزناً لرغباته كونها لا تعترف بكيانه  وشخصيته . وبالتالي تتعامل معه من منطلق سلطوي لا يخلو أحياناً من العنف ؟

كيف يستجيب الطفل لمئات الممنوعات التي نواجهه بها يومياً وأحياناً نطلق التحذيرات بشكل آلي دون أن نتأكد من أهميتها ؟

يصنف أو يدرس بير داكو إحدى هذه الحالات النموذجية :

 كانت والدة الطفل ( س ) أرملة سلطوية ، لا تفسح المجال لطفلها أن يناقش أوامرها ، يتحقق أمن الطفل مع هكذا أم بإحدى طريقتين : أ ـ إما أن ينبذ أمه التي تعيق تفتحه العفوي . ب ـ أن يحتفظ بأمه التي هي أمن أساسي له . ينشأ صراع داخلي تجاه الموقفين المتناقضين . وأمامه إحدى استجابتين 1 ـ التمرد المكشوف 2 ـ الخضوع الكلي . وبما أن عنصر الأمن أساسي له يفكر على الشكل التالي : علي أن أخضع خضوعاً تاماً حتى لا أفقد حب أمي الذي هو أمني ، علي أن أحول دون أي معارضة ضدّها ، وأن أتجرد من شخصيتي وأن أضعف . علي أن أكبت كل عداوة تتعارض مع خضوعي ، وتعرّضني إلى أن أفقد توازني .
نحن هنا إزاء طفل يكبت تفتحه إلى الرجولة ، والبقاء غلاماً صغيراً مطيعاً يكبت في داخله العدوانية .


يعدد (( داكو )) أعراض الحالة عندما يبلغ الطفل سن الرشد :

ـ خجل .. دونية .. تخنث .
ـ خوف من النساء .. عجز جنسي
ـ شعور بالإثم
ـ الانفعالية : وينجم عنها : قرحة ـ إلتهاب قولون .. اضطرابات قلبية .

تأتي الحلول عند البلوغ على الشكل التالي :

ـ البقاء عازباً ، أو الزواج من امرأة مسترجلة ـ أن يصبح لوطياً إذا توفرت البيئة المناسبة .
إذا تزوج السيد ( س ) وأنجب أطفالاً ، كيف يربيهم ؟
ستقوم الزوجة الأم المسترجلة بإعادة إنتاج أطفال بشخصيات هلامية .. وبلا ملامح حقيقية . وهكذا ينتقل العصاب كما تنتقل الأوبئة مع فارق أن الوباء يكافحه الإنسان ، أما العصاب فيدوم لأننا نعتقد أن هذه هي طبيعتنا ( يا للمهزلة ) .

رغم أن علم النفس سلط الأضواء على مثل هذه الآفات المنتشرة بشكل لا يصدق منذ بداية القرن الماضي ، إلا أن الدول لا تزال بطيئة جداً في إعادة النظر بمناهجها التربوية والثقافية ، رغم التقدم الهائل وتوفر الثروات التي تصرف لإنتاج السلاح وللإستهلاك والبذخ والحروب .
لنعد إلى حالة السيد ( س ) بعد أن بلغ سن الرشد شكل خضوعه لأمه وهو طفل عصاباً ، ألا يجدر به أن يتخلص منه بعد البلوغ إذ لم يعد بحاجة إلى الأمن الذي يوفره له حب أمه ؟ لا يستطيع ذلك لأن الصراع الداخلي الذي أنتج العصاب اختفى في اللاشعور وركد هناك .. العصاب ليس كالمرض العضوي يزول بزوال المسبب . من هنا الحاجة إلى المحلل النفسي لينزح المصاب من الماضي الذي تعلق فيه ويفك حصاره ، ويجعل الصراع الداخلي اللاشعوري .. شعورياً . ويزيله .
     
لكي نظل في أجواء حالات نشوء العصاب والحصار ، كي نستوعب هذه الآلية نعود مجدداً إلى (( بيير داكو )) في حالة أخرى مدروسة :

(( ما فتئ والداي يحدثاني عن الخطيئة وعن جهنم واللعنة ، وكنت في ذلك الوقت أعتبرهما قديسين .. كنت أصاب أحياناً بحالات من الخوف من أن أكون في حالة الخطيئة ، وحين أكشف عن أفكاري لوالدي ، فكان جوابهما يقتصر على التالي : فليُلعن الشر والنجاسة . الرب يراك ويفصل في أمرك ، كنت أرتجف خوفاً من أن أكون قد أرتكبت خطيئة مميتة ، يراودني ذلك الشعور وأنا ذاهب إلى المدرسة أو حين يغلبني النوم . وفي أيام الآحاد في الكنيسة كنت أشعر بأن الرب سيسحقني في كل لحظة ، أو يميتني فجأة ، ليلقيني في جهنم .. ليس بمقدور شخص أن يفهم ما أحسست به حين أصبحت في الثامنة عشرة وأنظر إلى الفتيات ))
 
إذا كانت تعاليم دين المحبة والسلام تسبب كل هذا الذعر للطفل ، ماذا تفعل الأديان الأخرى حين يتم تلقينها للصغار ؟
يدعي الأباء والأمهات التابعين للمؤسسة الدينية أن أطفالهم يجب أن يُلقنوا مباديء دينهم منذ الصغر كي لا يخطفهم الشيطان ... فأي شيطان يستطيع أن يزعزع كيان الطفل المذكور كما فعل أبواه ( القديسين ) .
     
يجب أن نعيد النظر بفهمنا للتدين ، فلا يعقل أن يسمم التدين عقولنا لنلدغ أطفالنا .. ومن لا يعرف كيفية تصحيح ذاته عليه أن يكف عن تلقين أطفاله وإلحاق الأذى بهم .. فالطفل كائن بريء من الخطايا والذنوب والعيوب .. الطفل هو حالة روحانية نقية ، لم ( يتنجس ) بعد ، ولا يفهم معنى الخطيئة لأن قاموسه وكيانه بريئان مما نسميه خطيئة أو شرور .

 أعود مجدداً إلى داكو لأقتطف مقاطع طويلة منه ، لأن المصداقية في أمر التربية لا تكمن في وجهة نظري الشخصية ، بل في دراسة العالم المتخصص :
 
(( تربية الآخرين تبدأ بتربية الذات ، لا استثناء لهذه القاعدة  . إنها قانون لا يعرف الرحمة ، قاس قسوة الألماس ، منيع مثله ، فماذا نقول عن طبيب يداوي الجسم وهو لا يعرفه ؟ أو عن كاهن يعظ الناس وقلبه زاخر بالعداوة ؟ إننا نقول عنهما إنهما في غير المكان المناسب لهما ، أليس كذلك ؟.. إن بوسع أي شخص أن يصبح مربياً في فترة قصيرة من الزمن .. إن دور كل مربي يكمن في أن يقود إلى معرفة الذات ، إلى الحقيقة والتوازن . ولكن عليه من أجل هذا ، أن يكون هو ذاته هذه الحكمة وهذا التوازن ، وإذا لم يكن كذلك ، عليه أن يعرفهما بوضوح ، وألّا يتظاهر بما ليس فيه ، وسيكون ذلك بالنسبة إليه بداية الطريق لتربيته الخاصة ولتربية عقله )) .

إن حالات العصاب لا يمكن حصرها بنموذج أو اثنين .. ولكل منا عصابه الخاص المميز له ، ولا يظنن أحد أنه ليس معصوباً إن بشكل أو بآخر . وإذا أردت أن تتأكد من خلوك فاقرأ هذا المقطع لبيير داكو ذاته ، ولتكن صادقاً مع نفسك على الأقل ، ومالم نصدق مع أنفسنا لا أمل لنا بالخلاص من عصابنا . حين نتعرف على عيوبنا ونعترف بها نكون قد تخطينا الحاجز الأمنع في مسيرتنا باتجاه عافيتنا من العصاب وبالتالي تفتحنا ؛ يقول داكو : (( التربية ضرب من التضييق على الأغلب لأن السواد الأعظم من المريبن ، آباء وأساتذة وأخلاقيين وفلاسفة .. ضيقون عقلياً ، إنهم يصبحون كذلك منذ أن تصبح آراؤهم نهائية وتستبعد الآراء الأخرى استبعاداً آلياً ، فمجرد كون الإنسان ينتمي إلى جنسية معينة ، دين ، عرق معين . طبقة اجتماعية .. يفرض سلفاً ضروباً من التضييق وأحكاماً مسبقة يصعب التخلص منها ، ولكن من الضروري أن ينبذ هذه الأحكام إذا كانت لديه الرغبة في أن يبلغ كمال ملكاته وفي أن يحصل كذلك على مفهوم مقبول عن التربية . يضاف أن عشرات الملايين من الناس يدورون حول عقدهم ، وضروب كبتهم ، ومخاوفهم وآرائهم ... كل ذلك يجر بصورة آلية أفكاراً جاهزة وعادات لاشعورية . وهذا أمر بديهي ، إنه قيد يخنق الإمكانات العقلية .
 
الإنسانية مجزأة إلى خانات ، وكل خانة مقسومة إلى ملايين الأقسام . وتتم التربية انطلاقاً من هذه الضروب الهائلة من التضييق ... التربية شيء مختلف كل الإختلاف عن هذا .. إن عليها أن تحرر الفكر بدلاً من أن تحتجزه وتضيق عليه )) .

يقول بسراب نيكو لسكو ، رائد منهج (( العبر منهاجية )) المعاصرة : (( إن بناء شخص حقيقي يعني تأمين شروط التحقق القصوى لكموناته ))

                                                                          
للحديث بقية ......     
       

 


* سهدونا الهلموني

تطـوير و تحـديث : ســنان قــريو - باسـم كـيفاركيس - لـويس دافيد