المحرر موضوع: الحياة والموت  (زيارة 306 مرات)

غير متصل naufali

  • سهدونا محتـرف
  • ****
  • مشاركة: 60
    • البريد الالكتروني
الحياة والموت
« في: آب 26, 2007, 02:18:17 »
الحياة و الموت[/color]

ليست الحياة قصيرة بل الموت طويل جدا، كلام طالعته وتأملت فيه لأن الحياة عكس الموت أي أن مقالنا اليوم يأتي في سياق المتناقضات، والحياة عكس الموت المجرد تماما ولو في بعض المعتقدات أن الموت المادي الجسدي ما هو إلا بوابة حياة جديدة أفضل وأحسن للإنسان من حياته القصيرة المادية على الأرض!!! كما تُعتبر ذكرى الإنسان بعد مماته هو يوم رحيله عن هذه الفانية، لكن في أحد الكتب تطالعنا العبارة التالية: (ليست الحياة قصيرة ... بل الموت طويل جدا) وبالتأكيد أن كلمة جدا ليست من باب المبالغة لأن ما يقضيه الإنسان في حياته على الأرض مقارنة مع الأبدية تكون هذه عبارة عن طرفة عين ليس إلا، وتكاد لا تكفي كمدة زمنية حتى لإنجاز الطموحات البشرية البسيطة والمحدودة.

والحياة الأرضية رغم قصرها الشديد ومحدودية الإمكانيات التي تتوفر للإنسان فيها، لكنها غالية جدا كونها تعتبر مفتاحا للأبدية عند أناس يؤمنون بوجود مثل هذه الحياة التي ليس لها نهاية وموعود بها في كافة الكتب المقدسة، بحيث يتم تصويرها كفردوس تحتوي كل ما لذَّ وطاب، أو جنة تجري من تحتها الأنهار، ويسيل لعاب من يقرأ مواصفاتها حتى أن بعضهم يستعجل الوصول إليها لأنه يعتبر أن البقاء في هذه الدنيا مضيعة للوقت، أو قد تؤدي بالإنسان إلى الإنزلاق وراء شهوات الدنيا ونسيان الخالق ومن ثم معصيته التي تجلب الغضب الإلهي وبالنتيجة يحصل الإنسان المكوث في العذاب الأبدي أو النار التي لا تنطفيء.

حقا إن الحياة هي فرصة نادرة للإنسان الذي ولج إليها دون إرادة منه لأن مجيئه كان بإرادة أبويه الذين أنجباه واعتنيا به وعلماه ووضعاه على أول الطريق، وعندما أصبح قادرا لكي ينطلق ويبدأ هو ومن خلال عالم حياتنا المتناقض بالإختيار والسير، ليجد ما موجود في الحياة بكليته هو عالم من المتناقضات، فكل سبيل للخير يوجد آخر للشر على العكس منه، فإلى جانب النشيط يوجد الكسلان، والحر يقابله البرد، والإيمان ... الإلحاد، الأمانة ... الغش والسرقة،... بحيث يجد الإنسان فجأة نفسه وعند تحمله المسؤولية، أنه أمام مفترق طرق لا حصر لها، وعليه أن يتحلى بالحكمة ويختار بدءا من الصديق لأنه يقف معك وقت ضيقك، والكتاب الذي هو خير جليس لك وتتنتقل بواسطته عصارة ذهن من كتبه وتجربته إلى ما لا نهاية له من الأمور ...

ومن عالم المتناقضات هذا علينا رسم معالم طريقنا لكي يكون طريقا مستقيما مُرضيا للذات البشرية ولمن حولها ونفوز بالدنيا قبل الآخرة كما يقولون، وطالما أن الموت طويل جدا، فههنا يكمن القصد وهو الهدف، فلو كان الموت هو النوم الأبدي أي الضياع وعودة عتاصر الإنسان إلى التحلل أي التراب، لكانت الحياة هي الأثمن وهي التي يجب علينا ربحها والعمل على استغلالها وبأقصى طاقاتنا، لكن هذه الحياة حقا هي غالية جدا وتتطلب أن نبذل كافة الجهود الممكنة كي نكسبها ونخرج منها رابحين الحياة الأبدية التي قلنا هي غير محدودة بزمن محدد كونها خارج الزمن وخارج الإطار المادي، فالإنسان يتحول بطرفة عين ويترك خلفه جسده المادي ليتحلل بينما يلبس هو جسدا روحيا بمواصفات جديدة لا يقف أمامها جدار أو باب، ولو كتب لإنسان مادي أن يرى ما يحدث في العالم الروحي، لسار في طريق الخير دوما ولا يحيد عنه مطلقا، لأن الحياة المادية الأرضية دون تواصل آخر روحي من خلال حياة ما بعد الموت لا يكون لها معنى معقول مطلقا، ومخطط الله في خلق الإنسان ووضعه في هذه الأرض ثم أعدامه وإنهائه كليا بعد عدد من السنين يكون بدون أي معنى، فلماذا فعل الله ذلك ؟ ولماذا يُنهي عمله هكذا؟ لأن أي عمل يجب أن يكون له مبررات مقنعة حتى نقتنع نحن ونستمر بالتواصل مع الحدث.

وهكذا نكون مقتنعين أن المخطط الذي ابتدأ بآدم الأول مستمر، ولن ينتهي، وأن الحياة الأرضية مستمرة إلى ما لا نهاية عبر حياة أخرى روحية لا يحدها مكان ولا زمان، وهذه حكمة خارج أطار فهم العقل الإنساني، لكن شواهد كثيرة موجودة كلها لكي تعلّمنا أن ذلك موجود ليكون الموت عبارة عن بوابة للانتقال فقط وعندها لن يكون الموت طويلا بل فقط فتحا لباب آخر نحو الأبدية التي نأمل أن يكون لنا نصيب فيها

 


* سهدونا الهلموني

تطـوير و تحـديث : ســنان قــريو - باسـم كـيفاركيس - لـويس دافيد