المحرر موضوع: التواضع بديل الأخلاق  (زيارة 396 مرات)

غير متصل كاجو كاجو

  • سهـدونا نشيـط
  • **
  • مشاركة: 21
التواضع بديل الأخلاق
« في: حزêراو 23, 2009, 07:03:28 »
التواضع .. بديل الأخلاق

يستهجن بعض الإخوة قولي : (( كلنا نسرق بطريقة أو بأخرى )) أو (( كلنا نكذب بشكل أو آخر )) أو نحسد أو نشتهي ... ويقولون أنا شريف لا أسرق .. صادق لا أكذب .. لكنني لا أتوقع أن يأتيني يوماً أحداً ليقول لي (( أنا لص أو كاذب )) الجميع يدَّعي الصدق والنزاهة ، فمن أين لي أن أعرف إن كان كذلك ؟ إذا سألنا مئة رجل وامرأة : هل تكذب أو تسرق ؟ سيجيب الجميع بالنفي ، مع أن أقلَّنا كذباً يفعله مرات كثيرة يومياً .. ولا يخفى على أحد هذا الكم الهائل من الكذابين واللصوص الذين تضيق بهم الأرض . وما دام الأمر كذلك ، لماذا نتغنى بمكارم الأخلاق ، أو ندَّعي الفضائل ؟ أعتقد أن الفاضل ـ إن وجد فاضلاً ـ لا يدَّعي ولا يتفاخر ، لا يمنن أحداً بفضائله ، ولا يصدع رؤوسنا بخصائله ، وهو أيضاً لن يندهش ، ولا يبالغ في استنكار الكذب أو السرقة ولا يتحمس كثيراً لإدانتها .

إذا كان مجلسك يضم (( سارقاً )) والحديث يدور حول السرقة ، تراه يتصدر الكلام ، ويسلخ جلد السارق وينتف ريشه ، موضِّحاً مآثره الشخصية وأمانته ، وربما يُتحفك أيضاً بآيات وحكم ، إنه يستميت لإقناع المستمعين إليه بأنه أمين وشريف وصادق ، ولا يهم إن كان يمارس عكس ما يدعيه ، فالمهم عنده أن يقتنع الآخرون بما ينسبه هو لنفسه من فضائل ونعوت ويتبختر بها .

أحد قوانين علم النفس يفسر هذه الحالة المنتشرة إلى حد كبير ، ويسمى قانون (( التعويض )) . أعوض بالكلام والإيحاء والبرهان ، ما أفتقر إليه ، أغطي نقيصتي بالألقاب ، أستر عوراتي بلصاقات خداعة . وبقدر شدة معاناتي ، بقدر ما أكذب على نفسي والآخرين ، وأضيف مزيداً من الألقاب ... وحين أبالغ في منح الألقاب للغير ، فلكي أتلقاها منهم ، ويبادلونني إياها .

لماذا كل هذا العناء ؟ وجميعنا يعلم أن الامتناع عن السرقة لا ينبع من داخلنا ، وإنما يحصل بكبت الدافع إليها في أحسن الأحوال . يملك جاري سيارة فخمة ، أحسده عليها ، لكنني أكبت هذا الشعور ولا أصرح به ، وأنفيه عن نفسي لأنه مذموم اجتماعياً ، أشتهي امرأة وأكبت مشاعري ، ليس لأنني فاضل ، لكن لأن المجتمع يرفض ، وأنا أتباهى بملصقي (( شريف )) .

الكبت مقدرة عظيمة ، يمتاز بها الإنسان دون بقية الكائنات .. إنها قدرة السيطرة على المشاعر ، ونفيها أيضاً .. يجيدها الطفل الصغير ، وتصعب على أرقى الثدييات ، إنها خاصية الإنسان ، ولعبت دوراً كبيراً في توسيع الهوة وتمايز الإنسان عن العالم الحيواني ، ولعلها العنصر الأساسي الذي قامت عليه حضارتنا ، ولكنها مع ذلك تسبب لنا الكثير من الأسى والألم والكآبة . لأن الكائن الإنساني هو جسد ومشاعر إلى حد كبير ، وقهر هذه المشاعر بالكبت ، تطلَّب أثماناً باهظة ، سنظل ندفعها مالم نسترشد إلى حلول بديلة أخف وطأة على جهازنا العصبي .

هل نملك بدائل ؟ أرجو أن نناقش أو نتفهم إحدى هذه البدائل ، وربما تكون الوحيدة . بداية أدعي : الفضيلة نقيض لطبعنا البشري . وادعاءها يولد الكثير من الآلام والأوجاع وخاصة النفسية منها ..

إذا شئت أن تتأكد مما ادعيته ، وتحسم الأمر سلباً أو إيجاباً ، قم برصد مشاعرك .. الغضب .. الحسد .. الاشتهاء . راقب ردّات فعلك .. ونواياك .. هواجسك ومخاوفك وتطلعاتك ، دون أي تبرير ، استدع إلى ذهنك شخصاً أساء إليك .. لاحظ توترك .. سرعة أنفاسك .. لهاثك .. إمعان ذهنك في الانتقام .. انتبه إلى مشاعر الزهو الطاووسية عندما يمدحك الآخرون .. وشعورك بالتعاسة والاستياء إن لم يفعلوا .. ستحتاج إلى مثل هذا الرصد أياماً قليلة لتستخلص أنك أبعد ما تكون عن الفضيلة .. لأن الفضيلة ليست ما تقوم به فعلياً فحسب .. بل هي ما تنويه .. نواياك ، ولعل النية أهم من العمل بالنسبة إليك .. تستطيع أن لا تؤذي أحداً ـ وذلك جميل ـ ولكن حين تكبت الغضب أو الحقد ، فإنك تدمر نفسك وعضويتك .. وليست هذه دعوة إلى الانتقام ، إنما لشيء آخر سيأتي لاحقاً .

إذا كانت الفضيلة تبدأ من النوايا .. والكائن العضوي متعدد الاحتياجات . فإنه يستطيع أن يكبت مشاعره ، ويلبس الأخلاق ويمتثل للقوانين والشرائع والأوامر .. ولكنه في العمق يختلف .. لأن الفضيلة ليست طبيعة بشرية ، بل نقيض لها ، لذلك نفى يسوع عن الإنسان صفة الصلاح .. لا أحد صالح .. مثل هذا النفي يتطلب (( التواضع )) علينا أن نستبدل ادعاء الفضائل بالتواضع .. وهو الوصفة الأنجع ، وربما المخرج الأوحد من الهوة السحيقة للأزمة الفظيعة التي انزلق إليها الإنسان منذ خروجه من الغابة وهجر نمط العيش على الجمع والالتقاط والصيد .

بقي للقول أو التأكيد أن التواضع ليس امتلاكاً للفضيلة ، إنما هو نفيها عنا .. الكف عن ادعائها ، لأن مولود المرأة لا يستطيع أن يكون (( فاضلاً )) ، بل (( متواضعاً )) فحسب . كما أن التواضع ليس وساماً نعتز به ويستوجب ثناء الآخرين . كذلك لا يتيح لنا حجز جناح فخم في الجنة الموعودة .. التواضع ليس سوى علاجاً لأسقامنا وقروحنا . أو لحماية وتصحيح عللنا النفسية ومن ثم الجسدية مما نكابد .

 


* سهدونا الهلموني

تطـوير و تحـديث : ســنان قــريو - باسـم كـيفاركيس - لـويس دافيد