المحرر موضوع: يوم الشهيد  (زيارة 161 مرات)

غير متصل كاجو كاجو

  • سهـدونا نشيـط
  • **
  • مشاركة: 21
يوم الشهيد
« في: آب 06, 2009, 04:38:57 »
يوم الشهيد

اسمحوا لي أن أتناول موضوع الشهادة من جانبه الإنساني، لأن شهدائنا خلال القرن المنصرم، وحتى ماقبله، لم يكونوا شهداء تحقيق انتصارات أو إنجاز أهداف، وما كانوا جنوداً غزاة تساقطوا على جبهات المعارك المتكافئة، إنما ينتمون إلى النوع الذي لا يملكون خياراً آخر سوى أن يموتوا، لقد سِيقوا إلى حتفهم رغماً عنهم، ما كان متاحاً لهم حتى الهرب من مصيرهم المحتم، لقد نُكِّل بهم في بيوتهم وقراهم، وفي ملاذاتهم ومهاربهم، لم تنقذهم وعورة التضاريس وبطولاتهم الخارقة، والتي أذهلت شهود تلك الأزمنة. واليوم يُخطفون من منازلهم ويُذبحون، ويُرمى بهم على الأرصفة .

لم يُقتل شهداؤنا في المعارك لنتعزى بهم، لذلك تؤلمنا ذكراهم وتدمي قلوبنا، ويعصرنا الحزن والهم.
يتذكر الآخرون شهداؤهم بالأهازيج والهلاهل، أما نحن فالبكاء والعويل، إذ لم يكن معظم شهداؤنا من الرجال بل أطفال ونساء وشيوخ.
إن حيثية شهداءنا تلك لا تقلل من قيمة شهادتهم، إنما تدلل على شيء آخر، وهو الانحطاط الخلقي لمن استسهلوا قتل شعب أعزل.

يمثل شهداؤنا وصمة عار في ضمير الانسانية، المتحضرة منها والمتخلفة، دماء قتلانا علامة خزي وشهادة على بربرية ما يسمى حضارة العقل، إنهم ضحايا غزوات قبائل الشمال المستذئبة سعياً لامتلاك منابع النفط، وتوق بُداة حالمين باقتناء المزيد من الغنائم والحريم.
منذ المذبحة البشرية الأولى في بداية القرن، نُقتل دون ذنب، يسحقنا الغزاة، يُباد جنسنا، ولا أحد يسأل.

إلى متى يستمر قانون الغابة هذا؟ ومتى يتوقف؟

وبما أن أحداً لا يملك جواباً، ينبغي طرح السؤال الجوهري والذي يعنينا وهو : هل نستطيع كشعب أن نحافظ على وجودنا، وننجو من الانقراض وكيف؟ على النخب السياسية والفكرية أن تجيب، لأن الجواب هو مهمتها بل ومبرر وجودها.

إن كنت لا أملك الإجابة التفصيلية، أستطيع أن أؤكد أن الرهان على القوة القتالية والدعوة إلى الشهادة ليست في مصلحتنا، علينا أن نفكر بعناصر بديلة للقوة ونوفرها، وهي كثيرة في هذا الزمن، ومتاحة أيضاً، لكنها تتطلب الإرادة والتصميم، وقبل كل شيء توحيد الجهود، ورص الصفوف، والكف عن تسييس الطوائف، والتمييز بين الطائفة والأمة.

في الأفق البعيد، ينوس ضوء، لعله خافت اليوم، لكنه نور على كل حال، وحَمَلَته هم : مناهضوا الحرب ودعاة سلام، وجماعات حقوق الإنسان، وحركات اللاعنف، المتكاثرة والمتسعة باطراد، ولعلكم لاحظتم تأثيرها خلال السنوات الأخيرة، ذلك الطوفان الهادر من البشر، يملأ شوارع وساحات مدن وعواصم العالم، منددة بالحروب ومستنكرة ويلاتها.

لم تعد معظم شعوب الأرض، وخاصة نخبها المثقفة ونشطائها الإجتماعيون، يطيقون مشاهدة الجثث الآدمية متطايرة الأشلاء مقطعة الأوصال، مخضبة بالدماء ... لقد بات اللون الحمر كريهاً .. وخبا إلى حد بعيد بريق معاني الشهادة، وقد استهلكه الطغاة العتاة والعصابيون من الساسة والزعماء، لتحقيق أهداف خسيسة بافتعال حروب دامية ، كان وقودها دائماً الناس البسطاء، وغيرهم يقتسم المغانم ويتوزع الأسلاب.

أتأمل من أحزابنا ومثقفينا وجماهير شعبنا في كل مكان متاح لهم، أن يناصروا مثل هذه الحركات الاحتجاجية المباركة، فقد تكون الأمل الأخير للبشرية، لقطع استمرارية قانون الغابة المقيت، وردع تجار الحروب المؤيدة بالجيوش المستوحشة، فلطالما كان شعبنا الصغير وأمثاله، الخاسر الأكبر والضحية.

ألف رحمة على أرواح شهدائنا الأبرياء والبررة، ضحايا المجازر الجماعية.


كاجو كاجو   

 


* سهدونا الهلموني

تطـوير و تحـديث : ســنان قــريو - باسـم كـيفاركيس - لـويس دافيد