البنية النفسية وقود العنف
كان العنف هو المشهد الأبرز، والذي رافق الإنسان خلال الآلاف الخمسة أو الستة الأخيرة من الأعوام، وهو يشيد حضارته ومدنيته، أي منذ أن أسس (( الدولة )) مدشناً إياها بمملكة المدنية، ثم الامبراطوريات الواسعة، فالدولة الحديثة، ولا يخفى ما تتطلبه هذه المؤسسة من حروب، وأصبحت ضرورة حيوية، لاستمراريتها وتوسيعها والدفاع عنها، وحمايتها من مخاطر خارجية وأخرى داخلية .
لقد وفًّر الإنسان كل المستلزمات التي تطلبها تمتين هذه المؤسسة من جنود، وبوليس، وأسلحة، وقوانين لحمايتها، وثقافة للتمسك بها، وسخرت الدين والنخب الذكية والمتميزة من أفراد المجتمع .
بالرغم من الإنجازات المدنية الكثيرة، إلا أن الشغل الشاغل للإنسان كان ولازال هو العنف ممثلاً بالحروب . لقد رصد الباحثون أكثر من / 5000 / حرب منذ بداية التقويم الميلادي أي خلال ألفي عام الأخيرة . يمكننا أن ندعي أن الحروب كانت مستمرة منذ ظهور مؤسسة الدولة، تخللها استراحات قصيرة، أو هدنات مؤقتة، استُغلت للتحضير لحروب جديدة .
لقد تأسست الدولة منذ البداية لحماية مصالح أقلية من المجتمع، فرضت عليه قوانينها الظالمة، وشرعّت العنف ضد مناوئيها في الداخل، واستخدمت مظلوميها وقوداً لحروبها وفتوحاتها وتوسيع مجال مصالحها الحيوية، فالدولة هي مؤسسة للعنف بامتياز، ولاتزال هي ذاتها رغم كل التعديلات التي طرأت عليها .
السؤال الذي أسعى للإجابة عليه هو : كيف ؟ ولماذا ؟ تقبل غالبية الناس أن تكون وقوداً لقادتها، وتمتثل لظالميها، وتنتخبهم أحياناً بملء حريتها ؟
تتطلب الإجابة مدخلاً وجيزاً إلى علم النفس وخاصة دراسات تشكل البنية النفسية للأفراد والجماعات والقادة . وقبل ذلك نلخص عجالاً الإجابات الأخيرة عن طبيعة الإنسان هل هي خيِّرة أم شريرة ؟ هل هو ذئب أم نعجة ؟ معظم الإجابات تقول بأنه ليس هذا أو ذاك، أو أنه كليهما معاً، والحسم هو للظروف، أي للتربية والثقافة والأوضاع الإجتماعية .
ينفي معظم الدارسين أن يكون العنف غريزة أو طبع بل ثقافة، ودليلهم أن الدراسات على الحيوان، استبعدت أن تكون العدوانية غريزة لديه، وإنما آليات يستخدمها من أجل المحافظة على البقاء، فالإنسان وحده ينفرد بممارسة العنف، وبما أنه يشارك الحيوان في عدد غرائزه، فلا يمكن أن يكون لديه غريزة خاصة به، لذلك نقول بأن العنف ثقافة وليس غريزة، رغم أنه ممتد عميقاً في طبعه .
كيف تتشكل ثقافة العنف ؟ أية ظروف تتحكم، وتحسم أو تقسم الناس إلى ذئاب أو خراف ؟..
لنبدأ من البداية .. الجنين في الرحم .. الكائن في الفردوس .. كل ما يحتاجه يأتيه حالاً .. دون تأخير، طلباته مستجابة .. إنه ملك محاط بحاشية مطيعة . تحصل الولادة، يُقذف بـ (( آدم )) خارج فردوسه، من هنا تبدأ المسألة، عبَّر إريك فروم، عالم النفس والفيلسوف بالجمل التالية : (( فالإنسان يُلقى به في هذه الدنيا من دون إرادته، ويُقصى عنها دون إرادته كذلك، وخلافاً للحيوان الذي له في غرائزه آلية للتكيف مع بيئته هي جزء منه، ويعيش داخل الطبيعة كلياً . يفتقر الإنسان إلى هذه الآلية الغريزية، إن عليه أن يحيا حياته، وليست حياته هي التي تحياه، إنه في الطبيعة ومع ذلك يتجاوز الطبيعة، ولديه إدراك لذاته بوصفها وجوداً منفصلاً يجعله يشعر بأنه وحيد وضائع وعاجز على نحو لا يطاق )) . (( 1 ))
إن مشاعر العجز والضياع، تدفعنا للإرتماء في حضن الأم، لأنه يهبنا دفء الأمان والطمأنينة، لقد أصبح الحضن بديلاً للرحم ( الفردوس )، وهو تعبير ساطع عن رغبة العودة إلى الرحم، بمعنى آخر، رغبة العودة إلى ما قبل الولادة، قبل الوجود ( الموت ) .
حين نكبر، نجدد هذا الرفض للحياة، ونرتمي في أحضان العشيرة أو الطائفة أو الدولة القومية، أو عقيدة ما، ونحتمي بقائد سياسي أو حزب، وانتسابنا إل كل هذه الهويات، ليس سوى تعبيرات مختلفة عن رفض الولادة، رفض الاستقلال، رفض الحرية، متوهمين أننا عاجزين عن المتابعة دون التماهي مع هذه الانتماءات أو الهويات الثانوية أوالرديفة، والتي نغتني بها في حال تحقيق الهوية الأصيلة، وتُلبد عيشنا إن أخفقنا في ذلك .
يتابع فروم : (( الحياة في لحظة الولادة، تسأل الإنسان سؤالاً، وعليه أن يجيب عن هذا السؤال في كل لحظة، ليس ذهنه، ليس جسمه، بل (( هو )) الشخص الذي يفكر ويحلم، ينام ويأكل ويضحك، (( الإنسان الكلي )) هو من يجب أن يجيب عنه، والسؤال هو : كيف نستطيع أن نتغلب على ما تحدثه تجربة الانفصال من الألم والسجن والخجل ؟ كيف يمكن لنا أن نجد اتحاداً داخل أنفسنا، ومع مثيلنا الإنسان ومع الطبيعة ؟ )) ((2))
يرى فروم أن الإنسان قدم إجابتان على السؤال، إذ لا وجود لجواب ثالث، أحدهما يتمثل بالنكوص والإرتداد إلى ما قبل الولادة كما ألمحنا إليه تواً، والجواب الثاني : أن يولد تماماً، ويتابع نحو تحقيق هويته الأصيلة أي فرادته، أو تمايزه وبصمته الخاصة، وذلك يتم : (( بتنمية إدراكه، وذهنه، وقدرته على الحب، متجاوزاً تمركزه حول الأنا، ويصل إلى انسجام جديد، إلى وحدة جديدة مع العالم )) .
حينذاك لا بأس من الدين الذي يتناغم مع هذه (( الوحدة الجديدة مع العالم ))، وكذلك القومية أو أي إنتماء آخر، آنذاك تقود الأنا البصيرة خطانا بعيداً عن النزاعات والتوترات وبيئات العنف، وترسخنا في ذاتنا الكلية .
إن الإجابة الأولى على سؤال الحياة، هي ما يقدمه الأغلبية الساحقة من الناس ـ مع الأسف ـ ويتم بأشكال مختلفة، إلا أنها جميعاً يلازمها الألم والمعاناة والتوتر، وتنتهي بالإخفاق .
بعض الإجابات تكون بالانتحار والجنون، وأخرى يُعبََّر عنها بالشغف في تدمير كل شيء وكل شخص ( بعض هؤلاء يصبحون قادة أو زعماء )، وآخرون عصابيون وهم كثر، يتخبطون في نرجسيتهم، يصرون على قسر الواقع ليتوافق مع رغباتهم، ولا يعترفون بالمستحيل، ويسببون الكثير من الألم والأذى لغيرهم، ويشعرون بالعجز والخيبة إن فشلوا في تحقيق المستحيل .
يجب أن لا يغيب عن ذهننا، ونحن نتحدث عن العنف، أن الأقلية أحكمت سيطرتها على الأكثرية عبر التاريخ، وقد لا تتمكن دائماً أن تحكمها بالقوة، فقد لجأت إلى الإقناع، بترسيخها مفاهيم وقيم مناسبة شكلت الرأي العام واستخدمت الإعلام، وكل ما يستوجب ضرورتها وخطورة الخروج عليها .
وبما أن معظم هذه المفاهيم والقيم والمحرمات تخالف طبيعة الكائن الجوهرية، هويته الأصيلة، يلجأ إلى الكبت خوفاً من العقاب، ما يسبب له مختلف أشكال العصاب النفسي، فيصبح مطيعاً، ومستعداً، للإستحواذ عليه، وأن يكون ما يُراد له أن يكون، سياسياً، دينياً، أيديولوجياً، ويرتدي بعضاً من هذه الأقنعة .
حين يكف الكائن أن يكون ذاته، أو يُمنع من ذلك بمنطق المصلحة العامة، والتي هي مصلحة الأقلية المستبدة، سواء في مؤسسة الدولة أو المؤسسة الطائفية، حينئذ يصبح مثل قشة تتلاعب بها الأمواج المتلاطمة .
لكي نجلي هذا الأمر، نقوم بزيارة إلى العيادات أو الأبحاث النفسية، ونطَّلع على ما حدث ولا يزال مستمراً إلى يومنا هذا .
قبل أن نستعرض الحالة المرضية للنفس، ومن أجل المقارنة، نتعرف على الحالة الصحية المتمثلة بالأنا الأصيل .
إن تحقيق الأنا الأصيلة هو في مجال الإمكانية ولكنه يتطلب ظروفاً وشروطٍ لا يتيحها نمط الدولة القائمة على تغليب مصالح فئة صغيرة على المجتمع، كذلك الأيديولوجيات والمؤسسات العقائدية، والتربية التلقينية العنفية، المؤسسة على الكبت المولد للعصاب، وقولبة الأطفال وأدلجة الشباب . وأعرض هنا خصائص الأنا الأصيلة : (( 3 ))
ـ التوق إلى الحياة والحب والفرح والسلام .
ـ التوق إلى الحرية والعدالة، ورفض الظلم .
ـ التوق إلى الإنتماء الإيجابي للعالم .
ـ التوق إلى الفاعلية، وتحقيق بصمة ذاتية .
ـ الثقة بالذات، والشعور بالكرامة الذاتية .
ـ الإستقلالية، وتحمل المسؤولية، والقرار الحر .
ـ التوق إلى التعاون والصداقة والتواصل .
أعتقد أن الأديان والحكمة القديمة لم تكن سوى وسيلة لإنجاز هذه الأنا المباركة، إلا أنها أخفقت حين آثرت مصالح المؤسسة السلطوية على هدفها النبيل .
العقبات في وجه نمو الشخصية المتوازنة ( الذات الأصيلة ) والخوف من الحرية
أ ـ تربية الأهل القمعية، والتهديد بالحرمان، والعقاب، وقولبة الطفل ليكون مقبولاً اجتماعياً .
ب ـ التربية المدرسية السلطوية والأدلجة، وتقديم مناهج مناقضة للحاجات الحقيقية .
ج ـ الإعلام العنفي والنرجسي والاستهلاكي، التهبيل الإعلامي .
د ـ القمع السياسي والبوليسي .
هـ ـ التشريع المنحاز .
و ـ الفقر واستغلال طاقة العمل اليدوية من أجل مصلحة الأقلية .
النمو المرضي التعويضي ( لدى الجماهير ) : الهوية الرديفة
تجاه العقبات المذكورة آنفاً يفشل الأفراد في تحقيق هويتهم الأصيلة، وينتابهم القلق العميق من جراء ذلك، مما يدفعهم للبحث عن هويات رديفة، عَرَضية ومزيفة، على شكل حاجات مرضية تعويضية :
أ ـ حاجة ونزعة إلى العنف .
ب ـ حاجة إلى السلطة والتملك، ونزعة إلى الشهرة والتملك .
ج ـ حاجة إلى مخلص في هيئة قائد أو زعيم يرعاهم ويقود مصيرهم ويحقق لهم نرجسيتهم الوطنية . (( 3 ))
العلاقة مع العالم (( 3 ))
ـ عدائية وتنافسية مقترنة بالعنصرية والأنانية النفعية .
ـ التقوقع ضمن جماعة : عشيرة طائفة، والتماهي مع زعيم .
ـ حب الأقوياء واحتقار الضعفاء .
ـ الخضوع للأعلى، والسيطرة على الأدنى .
العلاقة بالذات (( 3 ))
ـ الشعور العميق بالعجز، باللامعنى .
ـ عدم الثقة بالنفس ( احتقار الذات )
ـ استبدال الكرامة الذاتية بالكرامة والشرف الوطني .
ـ الخوف من الحرية .
ـ التمسك بوهم الحرية : وهم القرار الحر، وهم حرية الرأي . (( 3 ))
ما أود أن يُفهم هنا، أن هوية الجماهير الموصوفة أعلاه، وهي الحشود التي تنتظم خلف قائد أو ضمن عقيدة ما، يسهل قيادها إلى خيارات هي ضد حاجاتها الحقيقية، ومصالحها الحيوية، وهو ما يبدأ بالخوف ثم الكبت، يليه البحث عن تعويضات، ومن بينها الإستئناس إلى (( قائد )) فذ، تعتبره مخلصاً تاريخياً، فمن هو هذا القائد ؟ ولندخل إلى العيادة التشريحية للطب النفسي مجدداً .
حيث أخفق هذا القائد في الاهتداء إلى هويته الأصيلة، مثله مثل غيره، يتجه إلى التعويض بالرغبات والحاجات التالية :
ـ حب الموت ( نكروفيليا ) وصولاً إلى الفناء التام (( 3 ))
ـ النرجسية الفردية والعنصرية .
ـ التعلق المرضي بالأم .
ـ الهوس الجامح للتدمير .
ـ الهوس المحموم للسلطة والتشبث بها .
ـ السعي المستمر لحروب جديدة .
ـ السعي للمجد .
ـ السادية : التحكم بمصير الناس وجعلهم يتعذبون تحت رحمته .
العلاقة مع الذات (( 3 ))
ـ الشعور العميق بالعجز، بالصِغَر، باحتقار الذات .
ـ الشعور العميق بعدم الثقة بالنفس .
ـ الشعور بالوحدة والخوف الدائم، وعدم الثقة بالآخرين .
ـ التوتر، القلق، الملل الدائم
النشاط الحيوي (( 3 ))
ـ القيام بحروب، والتحضير لحروب جديدة .
ـ زيادة قوته التدميرية / التسلح .
ـ زيادة النفوذ السياسي والثروة .
ـ فبركة المؤامرات، تنفيذ اغتيالات .
ـ المبالغة في زيادة الأمن الشخصي .
العلاقة مع العالم (( 3 ))
ـ التدمير والتحكم بمصير الناس .
ـ التخويف / الترهيب / التعذيب .
ـ التحريض / التضليل .
ـ الأدلجة / فبركة الموافقة .
إن تشكل البنية النفسية للقائد والجماهير، الملخصة أعلاه، لها مدلولات كثيرة، ويهمنا منها دلالتان فحسب : أولاهما : ما هو مشترك أو متناغم في بنية القائد والجماهير، وهو ما يناقض إدعاءنا بأن الجماهير لا حيلة لها وخالية من مسؤولية ما يحل بها من مآسٍ يتسبب بها القادة بمفردهم، لقد أخفق كليهما معاً في تحقيق ذاته الأصيلة، وتفتحه للحياة والحب والفرح، فيختاران بملء إرادتيهما الإرتداد والنكوص، والذهاب سوياً إلى الهاوية، فيغتبط القائد المحبوب بدفء الحنان وهو محاط برعيته المطيعة، وتنتشي الجماهير بانتمائها إلى الأمة أو الطائفة التي أنجبت مثل هذا القائد الاستثنائي .
والدلالة الثانية تؤكد مقولة أن الإنسان يعمل ضد مصالحه، فالتربية التلقينية في المنزل والمدرسة، وتقديس العادات والتقاليد والأعراف، تنتج كائناً مطيعاً لأوامر السلطات المختلفة، ويمتثل لقرارات الأقلية التي تشكل الرأي العام في بلده أو طائفته، ويصدق كل ما يقال له، حول ضرورة التضحية من أجل مصلحة الوطن وكرامة الأمة، أو التمسك بالطائفة، والصبر على مشقات الحياة، ليفوز بمغانم الفردوس بعد الموت .
بعضهم يقطع آلاف الأميال ليموت في معارك وحروب لا يعرف أهدافها الحقيقية، وآخرون يستشهدون بملء إرادتهم، ليظفروا بحوريات مفترضة وذهنية، متناسين أن الأرض تعج بأجمل منها، ومن لحم ودم . تروي قصص شهداء بعض الطوائف، عن تدافع المؤمنين للموت بفرح عارم، طمعاً بالحياة بعد الموت مع القديسين والأبرار .
كما تمكن الوعَّاظ أن يسوقوا حشود المؤمنين إلى محرقة الحروب لإعلاء كلمة الله، كذلك يفلح الإعلام المعاصر، بالتواطؤ مع السلطات وأصحاب المصالح الكبرى، في التلاعب بالمشاعر وإثارة الغرائز، وشحن الجماهير بالأحقاد، وطالما استسهل القادة العصابيون دفع شعوبهم لتسحق في أتون المعارك الضارية، فكانت رهن الإشارة لتلبي النداء (( نداء الواجب )) .
في الغرب أو في الشرق، الأمر سيان هناك يختارون قادتهم بملء إرادتهم، ويطيعونهم، وهنا نتوارث قادتنا، فننصاع لهم ونلتصق بهم، والقائد في كل الأحوال مرتهن للأقلية صاحبة المصالح الكبرى، وتقديس القادة ليس سوى تعبيرٌ عن مشاعر الدونية لجماهير فاقدة الإرادة .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
1 ـ مقالة بعنوان (( حسن الحال )) إريك فروم، موقع معابر
2 ـ نفس المصدر
3 ـ محاضرات في فلسفة اللاعنف .. د . وليد صليبي، جامعة حقوق الإنسان واللاعنف العربية .