الميلاد
سيدي...
أحببتك منذ يفاعتي، ربما لأنني كنت يتيماً فقيراً، أو متشرداً.. متمرداً مثلك، وقيل لي فيما بعد، أن أباك يملك منازل كثيرة في السماء، كما أن بيوتك على الأرض لا تُعد ولا تحصى، فخاب ظني بك، وهجرتك ردحاً من الزمن، بحثت عن مَرَدة حقيقيين، ووجدتهم كثر، ودهشت، لأن جميعهم يشيدون بك، ويعتبرونك معلمهم؛ أحدهم وهو هرطوقي من لبنان، يجزم أنك لست أنت من يسكن هذه المعابد، وإنما نسخة أخرى لا صلة لك بها، ويدَّعي أنك أوصيت أن لا يُشاد لك قصوراً تشمخ على الأكواخ، وقال أيضاً، أنك تسكن أعماق القلب فحسب، هي وحدها كاتدرائية تليق بك، ويستهويك المقام فيها.
زنديق آخر، وصف ما يُنسب لك أنه إفيوناً وليس ديناً، لكنه تكرس لتحرير الفقراء، من أحببتهم، وطوبت لهم ملكوتك، لكن سيد هذا العالم، كَمَنَ له بالمرصاد، كما اقتنص كنيستك الأولى.
وجدت معلمين وشيوخ وحكماء، منبوذون وهراطقة وثوار، من كل الأقاليم والثقافات والمناخات، يسعون في طريقك، دون أن ينتظموا في حلقة أو مؤسسة، أو يلتزمون نصوصاً، أو شريعة. شريعتهم هي قلوبهم، حيث هناك تزدهر مملكتك، ذلك هو عالمك وعالميتك.
ها أنذا، أمتثل لمشيئتك، أتمنطق بسيفك، أخوض حربك ضد سلامهم، أنفخ في نارك الموقدة. تنكرت لأبي وأمي وإخوتي، أقربائي وعشيرتي، نأيت بروحي عنهم، نبذت تقاليدهم، سبوتهم وطقوسهم، قطعت حبال مراكبي، هجرت شواطئَ الأمان، وعند خفيك خلعت عقائدي، وازدردت ما لُقنت من تعاليم وأفكار. تخففت من أسمالي البالية وحمليَ الثقيل، فأنت لا تقبل المُرطنون بالأهداف والمثقلون بالغايات، آه.. لو خَبِر السلاطين عذوبة الخفة في رقصتك، لهجروا عروشهم، وأطاحوا بتيجانهم.
سيدي.. لا تعنيني ولادتك الأولى في بيت لحم، تفرحني ولادتك الجديدة، حين اختليت في البرية، وأُصعِدت الجبل، وخُيِّرت، فرفضت ممالك الأرض، وآثرت التشرد. هم لا يحتفلون بهذا الميلاد المبارك، لأنه عسير عليهم أن يرفضوا، بل يلهثون للاقتناء والاكتناز، إذ حين يفرغ القلب منك، تتفاقم شراهته، وتتلبد مشاعره.
أنت لم تولد في مكان ما، أو زمان، كنت النسمة التي أُودِعت الطينة الأولى، فكيف ننساك طيلة العام، ونتذكرك يوماً واحداً؟ حري بنا أن نحتفل مع كل شهقة، وكل خطوة، وكل نظرة، ألست ملء الزمان والمكان؟
كل يوم وأنتم بخير