الشباب والمشاجرات
بين فترة وأخرى، وغالباً لا تطول المدة، نسمع بمعارك شبابية بين مجموعتين، كل منهما تنتمي لقرية من قرى الخابور، وأحياناً يلجأ الطرف المهزوم في الموقعة إلى الإنتقام، فينتظم المسلسل إلى حلقات عديدة. وتعوَّد ((أبطالنا)) أن يغتنموا فُرص الأعياد ومناسبات الأفراح حيث التجمعات ليثبتوا قدراتهم الفائقة في تحويل ساحات الرقص والغناء إلى حلبات للملاكمة، والأهازيج إلى ولاويل.
شخصياً لا أبالغ بالإستياء من المشاجرات، إذ لست واهماً من أن أي مجتمع لا يخلو من مثل هذه النزاعات بين الشباب، ولا أعتقد أننا نستطيع أن ننهي مثل هذه التوترات بموعظة في الأخلاق، وقد جربنا ذلك كثيراً، لأن الدوافع العدوانية مغروسة فينا إن لم يكن بالفطرة فبالتربية والتنشئة المؤسسة على التنازع والتنافس، ومفاهيم منحرفة حول الشجاعة والرجولة والتضامن. وحين يكف كبار المجتمع عن نزاعاتهم، قد يصدقهم أو يقلدهم الصغار والشباب.
إن ما يدعو إلى الأسى والأسف ليس الشجار وإنما أخلاقيات المشاجرة.. الأسباب والأسلوب.
هل نعتبر شجعاناً حين نفتعل العراك في حفلة عرس أو مناسبة اجتماعية، أو حين نعتدي على أحد الغرباء في شوارع قريتنا، أو حين أستنفر أقربائي وأصدقائي وأورطهم في مشاجرة تخصني وحدي، وأتسبب بالعداء بين قريتين. حين يعتدي أحدهم علي شخصياً لأي سبب، فما شأن أهل قريتي بالموضوع؟.. ألا أُصنف جباناً وسخيفاً عندما ألجأ إلى الآخرين ليثأروا لي، أو أحتمي بهم، أين الرجولة والعنجهية في مثل هذا التصرف؟ هل من الشجاعة أن أطعن غريمي الأعزل بالسكين؟.
أذكر وأنا فتى، معركة كبيرة استمرت أكثر من ثلاث ساعات بين عشيرتين ومناصريهما في قريتي، وكان عدد الإصابات ثلاثة فقط. وكثيراً ما حضرت عراكاً بين فلاحين في حقولهم.. يرمون أدوات الفلاحة ويتشابكون بالأيدي. هكذا كان يتعارك أهالي معظم قرى الخابور، وكانت لهم أسبابهم وخلافاتهم الجدية والمتعلقة بمعيشتهم. أما اليوم نتعارك بالأدوات القاطعة والثاقبة، ونتحزم بالسلاسل والسكاكين، من أجل موقع في الدبكة أو للفت نظر فتاة.
سألت ذات مرة، شاباً متورم الوجه عن سبب حالته، فتحجج بأنه وقع من الدراجة النارية.. وبعد أيام جاءني إلى المنزل.. وهو من أقربائي.. واعتذر قائلاً: لقد كذبت عليك، وأنا خجل منك، فقد تقاتلت مع صديقي، كنا نحب بعضنا واختلفنا في إحدى السهرات.. فتواعدنا أن نلتقي بعيداً عن الناس.. وتعاركنا بالأيدي، وقد تمكن مني وكانت لكماته أكثر وأقوى.. وبعد أن انتهينا عدنا معاً، وفهمت منه أن صداقتهما لا زالت مستمرة. طلبت منه أن يقوم هو وصديقه، بتلقين غيرهم أخلاقيات النزاع ومعاني الرجولة والشجاعة الحقيقية.
لا يُلام الآباء وحدهم، إذ ليسوا بمفردهم مسؤلون عن تربية أولادهم، لكنهم ملومون عندما يستنفرون ويستميتون للدفاع عنهم عندما يتشاجرون، ويفعلون المستحيل كي لا ينام ولدهم (الشجاع) في النظارة.. إنه المدلل والمعزز، لذلك لن ينتهي مسلسل القبضايات، حراس العشيرة، وحماة القرية.
أود أن أقدم بضعة اقتراحات لمعالجة أو للتخفيف من وقع هذه المشكلة اجتماعياً، وسأختصر كي يتسنى لمن يريد المشاركة في تقديم وجهة نظره بالحلول العملية الممكنة والتي نستنتجها في نهاية الحوار. ومن المفيد أن يشاركنا المعلمون المربون وأيضاً من يمثل وجهة نظر جيل الشباب والذين هم على تماس معهم، لأن أي حلول لن تجدي دون مشاركتهم.
1ـ تحميل الأخويات دوراً أساسياً ولكي تتسنى لها القيام بدورها أن تتوسع لتشمل عضويتها كبار العمر، وتستوعب بعض مسببي المشاكل.
2ـ يمكن أن يخصص المعلمون والمدرسون في القرى وخاصة في الإعداديات والثانويات عدة دقائق يومياً للتحدث في الموضوع على أن تكون تلك الجمل القليلة مدروسة تربوياً، وهذه من صلب العمل التربوي ولا يتناقض مع المنهج المدرسي.
3ـ يمكن أن يعمم سيادة المطران رسائل دورية يطلب تلاوتها أثناء القداديس، وموجهة إلى الآباء والأمهات والحاضرين.
4ـ يمكن أن يدعو الخوري أو المختار أو أية هيئة اجتماعية، بعض أو جميع أولياء الأمور، ويجرى مناقشة الحلول المناسبة. والضغط على أولياء الشباب المشاركين في معظم الشجارات، يبدو أن أعداد هؤلاء المتهورين يزداد سنة إثر سنة، يعني أن تأثيرهم يتنامى لغياب العاقلين عن الساحة.
يحضرني اقتراحات أخرى وتفصيلية، سأتكلم عنها في مداخلات قادمة. وأرجو أن يشارك في حوارنا كل من لديه ما هو مفيد وخاصة المعلمون والمدرسون المربون والمتقاعدون منهم.