لنتمم بكمال إرادة الله في اللحظة الحاضرة
لم نكن اول من وُجدَ على هذه البسيطة، كما ولم نكن أيضا أولَ من آمن بالمسيح ربنا، ولا كنا الأوائل في كافة مراحل الحياة وفي جميع الفعاليات التي نقوم بها، لكن قد نكون في بعض الحالات أول من يقوم بعمل ما وحسب اجتهادنا وأبداعنا وتطور عقولنا وتفكيرنا. لكن بالعموم إن الحياة كانت قبلنا وهي مستمرة معنا وستستمر مع الذين يأتون من بعدنا. إنها مسيرة يُكمل كل من يأتي عمل من سبقوه، أو جهودهم ليسلّم عمله وجهده لمن يأتون من بعده تماما كما يقوم متسابق ركض البريد حيث يحمل العصا مسافة السباق المخصصة له ليسلمها لمن يليه، وهكذا وصولا إلى خط النهاية حيث إما يحقق الفريق الفوز أو يترك الفوز لغيره.
حياتنا أيضا هي مثل هذا السباق، فمسيرتنا غير منفصلة عما قام به آباؤنا كما أننا سنُسلّم لأولادنا ما عملناه ليكتمل عمل الله وتتجلى قدرته وعظمته فيما خلق من المخلوقات. إذا الحياة هي أمانة يتم تناقلها جيل بعد جيل عدا حالات تنقطع فيها السلسلة بحيث يتوقف نسل عائلة ما لعدم وجود توالد فيها، لكن أيضا لا يمكننا هنا أن نجزم بتوقف المسيرة لأن الحياة ليست بمعزل عن الإنسانية فقد يكون تفاعلنا الإنساني أعظم وأهم من التفاعل العائلي، لا بل لا يمكن للعمل أن يصبح عظيما إلا عندما يتفاعل الناس مع غيرهم، ويصبح النشاط عاما وذو فوائد عامة.
وما نعمله يجب أن يكون بمواصفات الكمال لكي نريح ضمائرنا ونُرضي ربنا كما نُرضي القريب والإنسان الذي معنا، أو يرافقنا، وكما ذكرنا فإن الإنسان يتمم ما بدأه غيره غالبا وهذا يتجلى في المنجزات العلمية؛ طبية كانت أو هندسية أو في أي مجال كان لأن الباحث يستند للأبحاث التي سبقته ليخترع أو يكتشف شيئا جديدا يُسجّل بإسمه، أي أنه لا يبدأ من الصفر، وهذا يساعد في دفع عجلة الحياة إلى أمام، إننا بذلك نربح جهود الآخرين ونجمعها مع جهودنا لنحقق جهدا مضاعفا، لكن الأهم أن لا نسرق هذا الجهد ونُعطي لكل جهد ومجتهد نصيب، وبذلك نكون أمناء مع الإنسانية ويصبح الجهد الشخصي في خدمة الجميع.
هكذا أيضا مع إرادة الله، ففي هذه المسيرة أي المسيرة الإيمانية أيضا سبقنا الكثير الكثير من الآباء والقديسين، من شهداء ومعترفين، ومن الأساقفة والمطارين، ومن كهنة وعلمانيين.. اجتهد منهم الكثير فقد علّموا وكرِزوا وكتبوا ليصل إلينا مجلدات جمّة من التعاليم الإيمانية والشرح الوافي لخلاص النفس والجسد، ففي هذه الخارطة يجب أن نجد لنا موقعا لكي لا يكون دورنا هامشيا أو حتى معدوما، وهذا الدور يكون بإتمام ما قام به سلفنا الصالح وإكمال مسيرته وجهوده لكي لا ندفن الجوهرة التي تسلمناها بالعماد بل نعمل لكي نكون كاملين ويكون ما نتممه كاملا، صحيح ليس الكمال إلا لله وحده، لكن ليس محظورا علينا أن ننشد الكمال ونسعى إلى الله ونتمم ما ورثناه ونزيد علسه ونحوله لمن يأتي من بعدنا ليكمل المسيرة من بعدنا.